الحرية والمسؤولية في حياة المجتمعات

عبدالله بن علي العليان –

alaliyan@gmail.com.ِ –

لم تلق فكرة محورية في حياة الإنسان منذ فجر التاريخ وحتى الآن، الاهتمام والنقاش، والمدح والقدح، والحب والامتعاض، مثل قضية الحرية والالتباس في مضامينها الكبيرة والمتعددة سلباً أو إيجاباً، قبولاً ورفضاً.


والرفض والقبول، والمدح والقدح ليست معايير لصيقة بمفهوم الحرية في جانبها الإنساني والرفيع، بل في تفسيرها، وفي انحراف البعض بمضامينها التي جعلت الرؤى تختلف وتتباين في مدلولاتها تبعاً للتأويل والتفسير والتقويم والتحوير.

وهما مقاييس لا بد من الاعتراف بأسبابها لجوانب عديدة منها مسألة اختلاف القيم والثقافة والدين في حياة الأمم، والتي تجعل فكرة الحرية تتعدد وتتنوع عند كل طرف، ولكل مضامينه ومعطياته الفكرية التي تجعل فلسفة الحرية تتلبس بالإرادة الإنسانية وفق قيم وثقافة ذلك الإنسان وتتقمص معايير فهمه لقضية الحرية.

لكن هذه القيمة العظيمة في الفكر الإنساني تقابلها المسؤولية، وحدود نطاقها، وأسلوب ممارستها، حتى نحافظ على معطيات تعاطيها مع الواقع وضروراته،

ويذهب بعض المفكرين المعاصرين، ومنهم (لافل) إلى

أنه من المهم تحديد حدود الحرية، وإنكار أن تكون مطلقة، لأنها لا بد أن تخضع لما في العالم من ضرورة، لكنه يرى أن حريتنا، لا بد أن تقوم على أساس من الضرورة، لأن النشاط الإنساني لا يمكن أن يتحقق، إلا في عالم محدود علينا أن نغالب عوائقه، وأن ننتصر عليها، وهذا الجدل بين الإنسان وما حوله من معطيات، هو الذي تستمد منه الحرية الإنسانية معناها.

وأهم ما بينه «لافل» هو قوله بأن الضرورة والحرية ليستا حديثين متعارضين، بل هما حدان متماسكان يعبران عن حقيقة واحدة، ذلك لأن العالم كل متماسك أجزاؤه، لا تستطيع أن تنهض بذاتها، أو أن تكتفي بنفسها، ولكنها تتمتع باستقلال حقيقي، حينما تجيء فتأخذ مكانها، في هذا الشكل الشامل.

ومن هنا نعتقد أن حرية التعبير على إطلاقها، وتتعدى إلى حقوق الآخرين وحياتهم غير مقبولة ومرفوضة تماما اجتماعيا وقانونيا، وستتصادم مع الأنظمة والقوانين حتما، لأن الحرية مسؤولية أيضا، فعندما تعتدي على حريات الآخرين فانك تتجاوز ضدهم.

لكننا ترى أن تقييد حرية التعبير، والتجمع، وغيرها من وسائل حق الفرد في الحرية، أيضا لها محاذيرها، ولها سلبياتها، ولذلك فإن النظرة الواعية والموضوعية، تستلزم أن تكون الحرية متنفسا إيجابيا وطبيعيا في المجتمع، وفي إطار من القوانين التي تشعر الفرد بأنه ليس مقهورا، ومجردا من الحراك الطبيعي الذي تتطلبه الحياة المتطورة المتجددة، بالأفكار والتحولات في عالم اليوم، ولذلك الحرية ضرورة أيضا، ولها من الإيجابيات الكثير، شريطة أن يكون الوعي بمضامينها متوفرا، نحن في حاجة إلى مراجعة الكثير من المضامين التي نسير عليها، ولا بد أن تعيد صياغة الكثير من المستقرات الفكرية، ومنها أيضا القانونية، ويجب ألا نخاف من الحرية، بل الخوف من تقييدها، لأن القيود في أحايين كثيرة، لا تحقق الرؤية الإيجابية في المجتمع، ولكن تظل الحرية التي نتمناها هي التي لا تتعدى، ولا تتجاوز حدود حريات الآخرين وحقوقهم الذاتية والفكرية.

وقد ارتبط العقل بالحرية في الفكر الإسلامي ارتباطا وثيقا، فلا يمكن أن تتحقق النظرة الثاقبة للحرية دون الرؤية العقلانية العادلة، ونتيجة للحرية الفكرية والعلمية في الإسلام انفتح العقل المسلم على المعارف الإنسانية من العصر الإسلامي الأول، وازدهرت الحضارة الإسلامية، وانتشرت مضامين هذه الحضارية في كل أصقاع الأرض إبداعا وابتكارا، وهذا الإشعاع الحضاري يمكنه أن يعود كما كان في عهد ازدهاره، شريطة أن نعي حدود هذه الحرية، ونطاقها، ودورها في التقدم والنهوض، كما أن الإسلام اهتم اهتماما كبيرا بحرية التعبير، وأعطى الفكر الإسلامي في مضامينه الكثيرة حرية التعبير مساحة واسعة، وانطلقت من الرؤية الإسلامية العامة من أن حرية التعبير في الإسلام حق من الحقوق، وتعتبر واجبة لقول كلمة الحق في ما يصلح الأمة ويرفع شأنها والدفاع عن قضايا الوطن والمواطن بما يحقق المصلحة العامة. ولذلك فإن حرية الإنسان في الإعلان عن الرأي الذي توّصل إليه بالنظر والبحث، وإشاعته بين الناس، والمنافحة عنه والإقناع به.

ولعل ذلك هو الوجه الأهم في حرية الرأي، وهو المعني أكثر من غيره في الاستعمال الشائع، إذ ما قيمة رأي يبقى حبيس الخاطر ولا يكون له في مجرى الحياة تأثير بأن يتبناه المجتمع ويعمل به؟ ومن ثم فإن الحرية فيه تعني أن يكون طريقه إلى الناس سالكا بانعدام كل المعيقات التي تعيق التعبير عنه من قبل صاحبه، أو سيرورته إلى الآخرين، أو وسائل دعمه والإقناع به.

وان وقع شيء من ذلك فهو يعتبر تقييدا لحرية الرأي، دون أن يكون هذا التعبير من خلال الحرية، اعتداء على الآخرين وخصوصياتهم والإساءة إليهم، فعندما تكون وسيلة التعبير استخداما مخلفا للقانون، تنعدم الحرية في أهدافها الرائعة.

كما جعل الإسلام الاعتقاد والإيمان خاصا بالإنسان واختياره بحريته، دون إجبار أو قهر في أن يعتقد ما يشاء ويؤمن عن بيّنة وإدراك واقتناع من ذاته، فمفهوم الحرية في الأساس يدور حول معنى أساسي، وهو ممارسة الإنسان اختياراته ومراداته دون إكراه، والإسلام دين الفطرة يحمي في الإنسان حريته واختياره، وأكرم ما يشرف العقل من اختيار هو تبني عقيدة سليمة وإن قصر عقل الإنسان عن ذلك ليس لأحد أن يجبره على تبديله أو تغييره يتبين ذلك من خلال ما يلي: 1 إن الواقع التاريخي يشهد أن الإسلام قد دافع عن حرية الاعتقاد، وقد كان حقاً غالياً ثميناً، كافح المسلمون من أجله في بداية الدعوة في مكة ثلاث عشرة سنة، يتحملون المشاق في سبيله حتى استقر لهم الأمر في النهاية، ولما حصل المسلمون على الاستقرار اعترفوا بهذا الحق كاملاً بالنسبة لأصحاب العقائد الآخرة (والتاريخ الإسلامي كله يخلو من أي حادثة فرض المسلمون فيها دينهم بالقوة والإكراه على الرعايا غير المسلمين أو اضطهادهم شعباً لينطق بكلمة أو حرف)

وفرض الإسلام على المسلمين أن يحترم بعضهم الآخر، ومنع أن تنقص أي من منهم من قدر أئمة الآخرين وزعمائهم، أو أن تلحق بهم الإهانة والسباب وما إليها وقد ورد ذلك في القرآن الكريم أمراً لازماً يعلمنا احترام معتقدات الآخرين وأئمتهم قال تعالى «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله» (الأنعام:6/108) وفتح القرآن الكريم باب الجدال المهذب تطرح من خلاله الآراء والأفكار وتناقش على أسس عقلية واعية دون تحيز أو تعصب قال تعالى «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن» (العنكبوت:29/46)، فإذا كان هذا مع غير المسلمين، وبهذا التعامل الطيب، فما بالنا بالمسلمين أنفسهم، الذين حرمت أعراضهم ودمائهم، وأموالهم من الاعتداء على بعضهم البعض، وعلى القول الحسن فيهم الخ. لكن للأسف أن البعض يستخدم الحرية، استخداما مضادا للحرية نفسها، عندما يعتدي على حرية الآخرين، باسم الحرية، ومنطلقاتها الرائعة، فهنا لا تستقيم مضامين الحرية في أن تكون عدوانا على حرية الآخرين، في حياتهم، وذواتهم، قذفا وسبا، بل أنها لا تكون هذه حرية من الأساس إذا ما أردنا أن نحدد ما هي الحرية، بل إنها تنعدم في أن تتقلد هذه القيمة العظيمة في أهدافها في الحياة الإنسانية.