جمال إمام –
gamalemm@gmail.com –
«لا تشرب الدواء، الدواء فيه سم قاتل»..!!
تذكرت هذه الجملة الشهيرة في فيلم (حياة أو موت) التي نرددها» حتى يومنا هذا في مختلف المواقف في حياتنا..
وأنا أناقش زاوية مهمة جدا ترتبط بالجانب الأخلاقي لمواقع التواصل الاجتماعي التي باتت القاسم المشترك في حياتنا المعاصرة..
فالمأزق الذي نضع فيه أنفسنا في العالم العربي عندما نتعامل عادة مع إنجازات التقنية ما زال مأزقا حضاريا بالدرجة الأولى حيث تعتبر الشريحة الكبيرة من المتعاملين مع مواقع التواصل الاجتماعي (وهي الكتلة الصلبة) تنظر لهذه الأدوات على أنها أدوات للتسلية سواء عبر الشات أو من خلال الألعاب التي توفرها وسائط أخرى للاتصالات والتي يمكن أن تحملها (أو تعبيها) برامج وألعاب لا حصر لها خالية من المضمون..
تستهدف على المدى البعيد تدمير العقلية العربية والتأثير فيها وتحويلها في النهاية إلى مجرد متلق لرسالة يسعى منتجيها إلى صناعة جيل هش خامل ليس لديه القدرة على الابتكار أو إحداث الفارق في مجتمعاته..
في أحد الأفلام الهابطة التي تروج لسينما موغلة في مخاطبة الغرائز بدلا من إعمال العقل والفكر لم يهتم صناع الفيلم بالتعامل مع أدوات الاتصال المعاصرة وهي (إحدى القضايا التي اهتم بها الفيلم )..
من زاوية قيمتها ودورها في تطوير المجتمع وتقدمه بقدر الاهتمام بتوظيفها في نقل مشاهد مخلة وهذا هو الفرق بين مجتمع يهتم بثورة الاتصالات ويشارك فيها ويحقق تقدما (الهند وإسرائيل) على سبيل المثال ومشاهد تُسوق للإباحية..!!
المقاربة نفسها تنطبق أيضا على عشرات الدكاكين الفضائية التي يمتلئ بها الفضاء الافتراضي بطول الوطن العربي وعرضه وتقدم رسالة مغلوطة ومشوشة تعتمد على توليفة من الإسفاف (رقص وعري وسحر وشعوذة وإعلانات مبتذلة)..
حيث تتعمق الإشكالية أو المأزق العربي في أسلوب التعامل مع نوافذ من المفترض أن تعيد صياغة العقل والوجدان العربي فإذا بها تعمل على طحنه وتغريبه والتشكيك في ثوابته وصناعة جيل (مايع) بلا هوية..
بالنسبة لمواقع التواصل الاجتماعي الأمر أيضا لا يختلف فهي جزء من هذه النوافذ المفترض أنها صحية لتجديد الهواء في الواقع العربي..
ولكن الذي يحدث شيء آخر فبدلا من استثمار الفيسبوك وتويتر كمساحة لبناء علاقات إنسانية راقية والتفاعل الحضاري الراقي وتبادل الثقافات والخبرات والتعبير عن المخزون الثقافي والحضاري العربي وإثراء التجربة الشخصية نفسها واكتساب مهارات جديدة..
نجد صفحاتنا على الفيسبوك بدون مضمون في الغالب الأعم وأصحابها مركزين بقدر كبير على جانب التسلية وجمع أكبر قدر ممكن من (اللايكات) حول لا شيء هذا كل هدفه حتى التعليقات نفسها لا ترقى إلى مستوى الذوق أو الآداب العامة..
الجانب الإنساني والبعد الأخلاقي غائب تماما عن صفحات التواصل الاجتماعي التي تشعر معها أحيانا بأن كثيرين على هذه الصفحات ربما يحاربون طواحين الهواء نتيجة لغة الانقسام والتشرذم السائدة في الحوار وكأنها متلازمة للتصدع الذي يضرب العالم العربي..
والواقع أن هذه هي المخاوف الحقيقية التي تكبر مثل كرة الثلج وتكشف المأزق العربي عبر الفضاء الافتراضي الذي أصبح معبرا عن هذا الواقع العربي الذي يتسم بتراجع مشروعه السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري..
في نقطة أخرى..
إن حرية التعبير التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي لا تعني أبدا أن تكون في جانبها المظلم وعبر عن نفس أجندة القيم الغربية المهترئة التي تعمل على تخريب وهدم قواعد كثيرة من القيم والأخلاق تقوم عليها المجتمعات العربية واستقرت في وجدانها وكأن دور مواقع التواصل الاجتماعي هو تعميق الأزمة الأخلاقية..
هذه واحدة، الثانية أن الجانب الآخر يتصل بمصداقية هذه المواقع التي ترتبط مصداقيتها بمدى ثقة المتابعين لها وبالتالي قدرتها على التأثير في اتجاهات المستخدمين وهو جانب مهم يرتبط بمدى احترام هذه المواقع للقيم والمعايير المهنية التي هي جزء أيضا من قيم وثقافة المجتمع..
هناك نقطة أخرى مهمة للغاية ترتبط كذلك بهذا التحول المثير لدور الفيسبوك وتويتر والذي يقترب فيه دوره الجاذب لقطاعات عريضة من الناس وخاصة الشباب ودخول فئات عمرية واجتماعية أخرى جديدة من المستخدمين إلى حيز فضاء الإعلام الاجتماعي من أدوار مختلفة لأدوات ثقافية وفكرية تصدرت المشهد على مراحل كما هو الحال الآن للفيسبوك وتويتر..
ففي السبيعنيات من القرن الماضي بدأ الكاسيت يطل على المشهد الثقافي في العالم العربي بكل ما أحدثه من نقلة نوعية ومختلفة ليس فقط في الذوق العام أوفي نوعية المستخدمين حيث تحررت الأغنية من القيود الصارمة التي كانت تفرضها الإذاعة في ذلك الوقت فتسللت كلمات وألحان هابطة وساد ما يسمى بثقافة (السح الدح امبو) في إشارة إلى الأغنية الشهيرة في ذلك الوقت ..
ثم تصدر الفيديو في مرحلة لاحقة المشهد وقد أسس لثقافة مختلفة ولقيم اجتماعية جديدة باعدت بين جيل (الأبيض والأسود) وبين جيل انتقلت السينما إليه في غرفة المعيشة وبات فيه الجهاز السحري معبرا عن ثقافة جديدة هي ثقافة (أفلام المقاولات والأفلام الإباحية..
الفيسبوك وتويتر هي أدوات جديدة أخرى بالمعايير نفسها التي تتفق مع ثقافة العصر وهي نتاج لتطور الأدوات الثقافية والإعلامية مع بناء النظام الدولي الجديد الذي فرضت فيه الولايات المتحدة ثقافاتها وأدواتها..
فظهرت الشبكة العنكبوتية الإنترنت وهذه المواقع كقوة إعلامية وثقافية بالغة التأثير
لتستحوذ بفعل تأثيرها القوي على صناعة الإعلام وعلى تشكيل الرأي العام وتوجيه وإدارته..
ومعها تبدو القيم الجديدة الوافدة التي تعبر عنها في صراع مع القيم والمبادئ الراسخة لمختلف المجتمعات عبر تاريخها وحضاراتها..
والواقع أن المسألة مسألة وقت بالنسبة للعالم العربي تعبر فيه مجتمعاته إلى مرحلة أخرى مخلفة وراءها الغث من القيم والأفكار التي تمتلئ بها صفحات الفيسبوك التي نطالعها صباح مساء وتتلاشى كما تلاشت ثقافة الكاسيت والفيديو..
انتبه الدواء فيه سم قاتل..


