دعا بول ميسون المحرر الاقتصادي لأخبار القناة الرابعة إلى مواجهة الحقيقة المريرة بتواصل التعذيب عبر التاريخ إلى العصر الحديث.
في أواخر سنة 2003 انتشرت صور فظيعة عن محتجز يقف فوق صندوق مع كيس على رأسه وأسلاك مربوطة به في سجن أبو غريب في بغداد.
السجن كان مظلما تماما، سجناؤه معرضون للأصوات الشديدة والبرد الشديد، أبقوهم عراة، منعوهم من الحديث ولا يكلمهم أحد. توفى بعضهم جراء البرد الشديد نتيجة انخفاض حرارة الجسم، وآخرون نالوا أنواعا شتى من التعذيب الجسدي والنفسي، بشهادات طبية موثقة.
ولكن الأكثر بشاعة هو الذي حدث جراء تعذيب وكالة الاستخبارات الأمريكية، وبالنسبة للتقرير الأخير للتعذيب لا نعرف ما الذي مر في أذهان موظفي السجن وهم يشاهدون الشيطان يعمل بموافقة الحكومة، لكن نحن نعرف أن اليمين الأمريكي احتفل بأفعال الوكالة الاستخبارية وبررها، «شخصيا لا أريد معرفة أي شيء عن ذلك التبرير».
وقال جيس ووترز صحفي فوكس للأخبار: (الناس يقومون بأفعال بشعة في الظلام، خاصة بعد هجوم إرهابي. صدمت بظهور جوابين بعد ظهور تقرير التعذيب: الأول كيفية نشر الخبر عن طريق اللغة المخادعة والتحويل، في أول فرصة ممكنة إلى موضوع آخر، إلى روايات أخرى. الثاني ظهور جماعات من اليسار والمناهضين الحرب يقولون: نحن نعرف أن الأمريكيين يقومون بذلك، فما هو الجديد؟ هؤلاء يعبرون عن مخاوف من مواجهة التفاصيل، سواء كانت عن تفاصيل الأحداث أم التبريرات السياسية في الأنظمة الرسمية).
في عمله الرائع (أدّب وعاقب) سنة 1975، شرح الاجتماعي الفرنسي ميشيل فوكو ردود الفعل للتعذيب وتكوين من يمارسونه تاريخيا واجتماعيا. مقررا أن التعذيب يهدف إلى هدفين: الإجبار على الاعتراف وإظهار صورة لتخويف الجمهور.
يقول إن التعذيب يتم بممارسات مكتوبة، والنتيجة تدون بأدق التفاصيل. ويعرض صورا من التعذيب عبر التاريخ فيذكر تقطيع جسد المقاتل الفرنسي روبرت دامينس أمام الجمهور إلى أربع قطع أحرقوها لاحقا. فقد طالب منفذو الإعدام بقطع رجليه من جسده، لأن الخيول لم تكن بالقوة المطلوبة لتقطيع أشلائه، كما طلبوا فعل ذلك بأنفسهم. وقد سمح بحدوث ذلك ولكن بعد تردد كبير.
غير أنه مع بداية القرن التاسع عشر وفي معظم العالم المتقدم، حل السجن أو الاحتجاز محل التعذيب، وحلت المحاكمات العلنية محل العنف العلني. ورغم ذلك، فإن من العار الجماعي والفوضى أن يتم نشر الصور من قبل الذين شهدوا الإعدامات العلنية والتعذيب.
(هؤلاء الذين ينفذون العقوبة يصبحون جزءا مستقلا.. العدل يترك المسؤولية للغطاء البيروقراطي وتغطية العقوبة بحد ذاتها) هذا ما كتبه فوكو قبل ربع قرن مما حدث في (أبو غريب). فقد انتقل التعذيب من القانون إلى ممارسة الجمهور للاضطهاد، وارتكاب المجازر الوحشية.
في القرون الوسطى لم تكن هناك ضوابط للتحقيقات، ومورس التعذيب بمختلف الصنوف والأشكال. وفي القرن العشرين استخدم الجستابو الألماني مصطلح (الاستجواب الحادّ) حسب واضعه هنريك مولر، حيث سمح للجستابو بممارسة التجويع وقلة النوم أو منعه نهائيا، والسجون المظلمة، والإنهاك مع الضرب ولكن مع وجود الطبيب فقط.
على حين تغير هذا المصطلح اليوم ليصبح (الاستجواب المتقدم) أو الوقائي، حسب التعبير الأمريكي المعاصر، مع ذلك فإن القوانين والحدود لدى الجستابو كانت زائفة، وعاشوا في نظام الرعب. استنتج المؤرخ ج. ريان ستاكهاوس، في دراسة عما كتبه ضحايا الجستابو أن التعرض للتعذيب الروتيني والعنف الجنسي قابل للتطور والتنوع.
الجستابو سجل درسا واحدا من التاريخ، عن «كيف يتغلغل العنف بدون قوانين في حرب قذرة» ثم تدخل الاستخبارات والشرطة. من أبو غريب إلى مركز كوبالت.
الحرب على الإرهاب قدمت لنا شيئا آخر. ونحن بحاجة لإجبار أنفسنا أن ترى وأن تتعرف على التفاصيل وأن تفهم ما الذي رسم خطا موازيا. لقد فهم توماس بين (كان من أبطال اليمين الأمريكان) لماذا حدث ذلك فقد كتب: (أثر مناظر التعذيب المعروضة على الجمهور تقتل النعومة وتهيج الانتقام. فهل لدى الجمهور ما يكفي من العقلانية ليحسوا بأن القصد إرهابهم وإرعابهم؟ وأن عليهم أن يوجهوا ما تعلموه من عنف إلى غيرهم)؟
الغرب اليوم في حرب مع داعش التي تستعمل بدورها أساليب تعذيب مريعة، ويتبعون قوانين القرون الوسطى لبث الرعب الجماعي بين جميع الناس من أعدائهم ومن غير أعدائهم.
كل مظاهر التعذيب تظهر تصاعدا فعبر التاريخ تتسرب تقنيات التعذيب من جيل إلى آخر كأنها عملية وراثية، مثل الخنق بقناع الغاز. ومن أمثلة ذلك الشرطة السرية للشيوعيين في شرق أوروبا، ورجال الجستابو الذين كانوا الأوائل باستعماله ضد المقاومة البولندية.


