حنان المنذرية -
«لن أستطيع مرافقتك لمشوار مدته نصف ساعة بالسيارة يا حنان إلا مع محرم» هذه الجملة القاطعة والتي نطقت بها قريبتي المتزوجة من أحد مشائخ مذهبنا أذهلتني جداً، إذ إن في معلومي أن الإسلام حرم سفر المرأة مسيرة ثلاثة أيام من غير ذي محرم وليس لمشوار لا يتجاوز على الأكثر نصف ساعة. إلا أن قريبتي تفسر شارحة وجهة نظرها أو بالأصح ما عَلِمه وأعلمها به زوجها المتدين من أقوال علماء المذهب الإباضي في عمان، قائله: « إن المسافة التي يجب على المرأة أن لا تخرج فيها إلا مع ذي محرم هي ذاتها المسافة التي يجوز فيها قصر الصلاة بعذر السفر»
بعد هذه الجملة تصاعد الجدال بيني وبينها مع قناعة بأن كل واحدة منا «صح مائة بالمائة» فأنا أناقش بالعقل ومنطق العصر وفهمي الشخصي للدين، وهي ترد بأقوال العلماء الثقات والعلم والمعرفة، أقول لها إن منبع رفضي لمثل هذه الفتوى «إن كانت حقيقية فعلاً» هو قناعتي بأن الإسلام دين يسر وتبشير وليس دين عسر وتنفير، وترد بأنها فقط تطيع الأحكام الدينية وأن المؤمن يجب أن لا يُعمل عقله في الأقوال الفصل للعلماء كما يجب عليه أن لا يعترض على أحكامهم وأقوالهم إن نطقوا بالحكم الشرعي، وأنها لن تُعرض نفسها للذنوب من أجل أن تذهب لعرس يخصنا في الولاية القريبة، بخاصة أن «المحرم» موجود، الطريف أن هذا الحوار كان على أسماع المحرم البالغ التاسعة عشرة من العمر والذي كان منزعجاً لاضطراره مرافقتنا عوضاً عن مرافقة أقرانه الشباب وذلك نزولاً عند رغبتها في وجود «المحرم».
أود التأكيد أولاً أنني أثق بمشائخنا ومعظم فتاواهم، لكن هناك أزيزا في عقلي يثرثر بأن بعض الأحكام إن صح وصدرت عنهم فإن فيها تعسيرا على الناس، وأنها لن تجد لها آذاناً تُسمع لدى الغالبية من العامة لأنها لم تعد توافق الظرف المعاصر الضاغط الذي نعيشه اليوم، أوضح فكرتي بهذا المثال: في مقابلة تلفزيونية مع إحدى المتخصصات في العلوم الشرعية الإسلامية، ناشدت هذه المختصة علماء الدين أن يجتمعوا في «المجمع الفقهي» ليستنبطوا أحكاماً تتوافق مع العصر بخاصة مع وجود إشكاليات منها قضية سفر المرأة، وتابعت تشرح وتوضح بأن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، لم يمنع المرأة وحدها من السفر بمفردها بل منع الرجل أيضاً، لكن اللافت أنه لا أحد من مشائخ الدين يتحدث عن منع النبي للرجل، ولهذا فالكثيرون لا يعرفون هذه المعلومة- هذا النقاش يجعلنا نستنبط أن منع النبي صلى الله عليه وسلم، سببه أن البيئة العربية في ذلك الوقت لم تكن مأمونة، وكان يخشى على «المسافر المفرد» من الضواري وقطاع الطرق على سبيل المثال.
من هنا، أناشد فقهاء الدين بشيئين هما « التيسير على الناس وأخذ الأمور بمنظور الواقع وعدم التصعيب عليهم في أمور تمس مستقبلهم ومسار حياتهم، والأهم أحقية الفتاة المسلمة المجتهدة في تمكينها من طلب العلم بأي مكان بالعالم مع عدم اشتراط محرم إن كانت تدرس بدولة ترعى سلامة المبتعثين إليها ولدينا بها سِفارة تتابعهم» ثانياً «ضرورة توحيد الآراء الدينية للأمة بالنسبة للمذاهب المتقاربة والأخذ بأيسرها بعد اعتمادها بالتراضي في المجمع الفقهي ونشرها بين الناس، في الختام أتمنى أن أقرأ رداً على هذا المقال من أحد المشايخ ليزيل أي غموض أو لبس.


