مسعود بن محمد المقبالي -
في العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة أراد الله أن يتم نوره ويعلي كلمته فجاء فتح مكة، وكان السبب في التعجيل بفتح مكة أن قريشا نقضت ما تعهدت به في صلح الحديبية مع رسول الله، فنصرت قبيلة بكر الموالية لها على قبيلة خزاعة الموالية للرسول، وكان الفتح أعظم انتصارات المسلمين وإيذانا بغروب شمس الكفر والشرك في شبه الجزيرة العربية فكيف تم الفتح، وكيف كان استعداد المسلمين لفتح مكة؟.
المكان: مكة المكرمة.
الموضوع: الرسول يقود المسلمين لفتح مكة إيذانًا بسقوط دولة الكفر.
الأحداث:
إن الفتح المبين الذين أعز الله به جند الإسلام ورد لهم اعتبارهم ورفع به كرامتهم ورؤوسهم حتى بلغت عنان السماء فتوجتها، إنه الفتح الأعظم الذي قصم به الله دولة الكفر وأزال به شعائر الشرك ومعالم الطغيان، وأشرقت وجه الأرض مرة أخرى بالتوحيد والتحميد، إنه الفتح العظيم ليس للأرض فقط إنما هو فتح القلوب لدين الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجًا..
ولم يكن أشد الناس تفاؤلاً واستبشارًا بأن هؤلاء النفر المستضعفين بقيادة الرسول الذين خرجوا مستخفين من عدوهم فارين بدينهم تاركين ديارهم وأهليهم والدنيا بأسرها وراء ظهورهم خائفين مترقبين, هم الذين يعودون بعد ثماني سنوات بجيش كبير وإيمان أكبر لفتح البلد التي أخرجوا منها بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، لم يكن أكثر الناس تفاؤلاً يظن أن الرسول سيعيد بناء الأمة ويكوّن دولة من مجموعة من الفارين المهاجرين بدينهم تستطيع أن تفتح معقل الكفر وعاصمة الشرك وبؤرة الإرهاب الوثني للمسلمين طيلة عشرين سنة, ولعل ما جرى يكون عبرة وعظة لأصحاب المناظير السوداء الذين لا يرون أبدًا وجه الشمس في أي عمل إسلامي ودعوي ويحكمون عليه بالفشل لا لشيء إلا لانتعاش الباطل في عيونهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
سبب الغزوة: لم يكن يدور في خلد عمر بن الخطاب الفوائد الجمة التي سيجنيها المسلمون والدعوة الإسلامية من صلح الحديبية, لذلك فلقد حزن منها في بادئ الأمر واعترض وتسخط حتى نزل القرآن يصف الصلح بأنه فتح مبين وحقًّا كان هو؛ لأنه كان السبب المباشر لفتح مكة! لأن من بنوده أن من أحب أن يدخل في حلف الرسول دخل ومن أراد أن يدخل في حلف مكة وقريش دخل فدخلت خزاعة في حلف الرسول، ودخلت بنو بكر في حلف قريش وكان بين خزاعة وبني بكر ثارات قديمة أيام الجاهلية، وفي شهر شعبان 8هـ اعتدت بنو بكر على خزاعة وأعانت قريش بني بكر على ذلك بالسلاح والرجال، وعد ذلك خرقًا لبنود المعاهدة والصلح؛ لأن الاعتداء على الحليف بمثابة اعتداء على من يحالفه, وهذا الاعتداء يعتبر مباشرة على الرسول والمسلمين، خاصة أن الإسلام قد فشا وانتشر في خزاعة وقتل في هذا الاعتداء رجال من المسلمين، ولما وصلت الأخبار بذلك للرسول قرر رد العدوان وأخذ القرار الكبير بالسير لفتح مكة، وكان رسول الله قبل أن يأتيه الخبر قد تجهز للجهاد ولا أحد يعلم وجهته حتى أزواجه أمهات المؤمنين.
سفير قريش: كان أبو سفيان بن حرب من أعقل أهل قريش وأشدهم ذكاء أدرك أن ما فعلته بنو بكر والمتهورون من شباب قريش يعد بمثابة نقض للميثاق وبنود الصلح فخاف من غائلة ذلك وعاقبته فخرج مسرعًا للرسول يطلب منه تجديد الصلح وقد أخبرهم الرسول بمجيئه، فدخل أبو سفيان المدينة ونزل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة فأراد أن يجلس على فراش الرسول فأبت أم حبيبة وقالت له: «أنت رجل مشرك نجس»، وحاول أبو سفيان تجديد الصلح، ولكن الرسول لم يرد عليه شيئًا فحاول الاستشفاع بأصحاب النبي فلم يستطع أحد منهم أن يجير على رسول الله, فقام أبو سفيان فآجر نفسه بين الناس عملاً بنصيحة علي بن أبي طالب, فلم يقم أحد لإجارته وتيقن العزم على فتح مكة.


