تنقسم السنّة من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أنواع: قولية، وفعلية، وتقريرية، ووصفية. أما بالنسبة للسنة القولية، فهي كل كلام صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظه، مثل حديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وحديث: «الدين النصيحة» وحديث: «بني الإسلام على خمس». ويقول الدكتور الحسين بن محمد شواط في كتابه «حجية السنة وتاريخها» : إنه من السنة القولية الحديث القدسي، وهو ما أسنده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل، وموضع الكلام عليه وعلى الفروق بينه وبين القرآن الكريم والحديث في مادة مصطلح الحديث، ومثاله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».
والسنة الفعلية تشمل جميع ما نقل إلينا من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله ومن أمثلة ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام: (كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم». وحديث حذيفة رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك». وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير».
وقد أمرنا الله عز وجل بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه في جميع أحواله: في السلم والحرب، والسفر والإقامة، وفي معاملة الأزواج والأولاد والأصحاب وفي الرحمة بالضعيف، وفي العدل في الحكم، وفي الشورى، وفي رد الحقوق لأصحابها، وفي موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين، والرغبة في هداية الآخرين وحب الخير لهم وبذل المعروف وكف الأذى، وكفالة اليتيم وسد حاجة الأرمل، وغير ذلك من خصاله الكريمة وأفعاله السامية النبيلة، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم …}. وقد أدى النبي صلى الله عليه وسلم الشعائر الإسلامية، وأمرنا أن نلتزم هديه ونحذو حذوه، فقال في شأن الصلاة: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقال في شأن الحج: (خذوا عني مناسككم)، ومن السنن الفعلية التي يغفل عنها كثير من الناس عمل القلب من محبة الله وأوليائه، وخشية الله، ورجاء ثوابه، وترك الكبر والجبن والشح والهلع.
وعن السنة التقديرية يقول صديق عبد العظيم في كتاب «دراسات في السنة النبوية»: فهي أن يحدث أمر أو يقال قول في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في حضرته ومشاهدته أو في غيبته ثم ينقل إليه فيقره النبي صلى الله عليه وسلم إما بالسكوت وعدم الإنكار أو بالموافقة والاستحسان، ومن ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريضة)، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: (لا نصلي حتى نأتيها)، وقال بعضهم: (بل نصلي، لم يرد منا ذلك)، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم).
كذلك حديث أنس رضي الله عنه: (كان يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمما صعيدا طيبا، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، وقال للآخر: «لك الأجر مرتين».
أما السنة الوصفية فيقول عنها ابن بطة في كتاب «الشرح والإبانة»: هي نوعان، الصفات الخلقية: وهي ما جبله الله عليه من الأخلاق الحميدة وما فطره عليه من الشمائل العالية المجيدة وما حباه به من الشيم النبيلة، ومن ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». وحديث عائشة في وصف أخلاقه صلى الله عليه وسلم حيث قالت: «كان خلقه القرآن». وحديث أنس رضي الله عنه قال: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟».
والنوع الثاني الصفات الخلقية: وهي تشمل هيأته التي خلقه الله عليها وأوصافه الجسمية، من ذلك: حديث «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير».
وحديث أم معبد بعد أن مر عليها النبي صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته المباركة، فوصفته لزوجها قائلة: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، قسيما وسيما، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء».


