أوجب المولى – سبحانه وتعالى – القوامة للرجال على النساء فهي المذكورة في قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} ومعنى هذه الدرجة أن الله قدخلق الرجل على فطرة وطبيعة يكون فيها هو المهيأ لقيادة الأسرة وتولي تصريف أمور الحياة التي تجمع بينهما، ومن ثم فقد أوجب عليه الإنفاق المالي في أمور المعيشة.
ويقول الدكتور محمد بلتاجي في كتابه «مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة» أنه مما لا ينازع فيه عاقل أن الأسرة تجمع يجمع بين الجنسين،ومن مقتضى أمور الحياة أن كل تجمع لابد له من قائد ،ورئيس من بين أفراده ليتولى مهام إصدار القرارات والإشراف على تنفيذها، ومهما تكن درجة الشورى والديمقراطية في التجمع فلا غنى له في النهاية عن القائد والرئيس الذي يوازن بين المشورات والآراء المعروضة عليه ليصدر من بينها قراره التنفيذي،فليست الشورى والديمقراطية في أعلى صور تحققهما بمغنية عن منصب (الزعيم القائد).
وحيث كان الأمر كذلك فإنه فيما يتصل بالأسرة كتجمع فلابد أنها محتاجة لقيادة،إما أن تكون من الرجال وإما أن تكون من النساء، والله تعالى يخبرنا أن جنس الرجل هو المهيأ بما أودعه الله فيه من صفات لهذه القيادة، وأيضا بما أوجبه التشريع من أن تكون النفقات المالية عليه.أما فيما يتصل بهذه الصفات الطبيعية فإن الواقع ،ومشاهدات الحياة كلها تدل على أن الرجل أقرب إلى تحكيم النظر العقلي في الأمور منه إلى الاستجابة للعاطفة،أما المرأة فهي على وجه العموم أقرب في معظم حالاتها إلى الاستجابة للعاطفةومتطلباتها، وأيضا فإن المرأة تعتريها حالات خاصة من الحمل والحيض والولادة وسن اليأس تتسبب عنها متاعب صحية ونفسية تنتهي بها إلى أنواع من عدم الاستقرار المزاجي،والنفسي تكون فيها بعيدة شيئا ما عن النظرة العقلية المتوازنة الهادئة إلى الأمور،وحتى في غير هذه الحالات الخاصة فهي أقرب من الرجل إلى تحكيم المشاعر والأحاسيس العاطفية في الأمور. ومشاهدات الحياة المتروية تدلنا في وضوح على أن ثقافة المرأة وحصولها على أعلى الشهادات العلمية في مختلف التخصصات لا ينقض هذه الحقيقة ولا ينسخ طبيعة الأنثى في المرأة،فما تزال هي هي طبيبة كانت أم مهندسة أم عالمة أم قانونية ام أستاذة،ولا أعتقد أنه يشرف المرأة حقا أن يقال عنها إنها انسلخت من طبيعتها بالعلم والمنصب فأصبحت مساوية للرجل تماماً في طبيعته الخاصة؛لأن هذه الطبيعة الخاصة بالمرأة ليست سبة أبدية تلحق بها – كما يتقول بعض الناس – إنما هي فطرة معينة خلقها الله تعالى متميزة عن فطرة الرجل، ورتب على هذا التمييز اختصاص كل منهما بأمور لا يشاركه فيها الآخر. وإلا فهل يعتبر اختصاص المرأة بحمل البذرة الملقحة تسعة شهور،واختصاصها بالإرضاع والحيض الدوري والنفاس وحضانة الصغار أمرا مهينا؟ إن القضية ليست قضية إهانة وكرامة كما يتصور بعض الناس،إنما هي قضية تميز واختصاص ليس في حد ذاته منقصا من شأن من يتصف به، فالمهندس يتخصص في بناء البيوت، والطبيب يعالج الأبدان والنفوس، والمدرس يعلم العلم ويفتح العقول على ميادين التفكير،والمجتمع محتاج لكل منهم – ولغيرهم – غير مستغن عنهم، ولا يكون تخصص أي منهم فيما تخصص فيه حاملا على احتقاره أو الغض منه. ويذكر الدكتور ثروت أنيس الأسيوطي في كتاب «نظام الأسرة بين الاقتصاد والدين» أنه إذا ما اتجهنا إلى الغرب الحديث – الذي يرى فيه الدكتور زكي نجيب محمود خلاصنا -فسوف نجد فيه أن الزعامة السياسية والوظيفية والأسرية ما تزال للرجل، والمسألة هناك لا تزيد عن (إشراك المرأة في بعض الوظائف العامة مع الرجل، بصورة نسبية قليلة،لكن ما تزال للرجل (قيادة) الأمم في السياسة والحرب والدين والاقتصاد والفن والعلم،وما زال الرجل هو الذي يختار للمرأة ثيابها بإشرافه على معظم دور الأزياء، واشتراك المرأة في كل هذه المجالات الحيوية نسبي ومحدود ومحكوم بزعامة الرجل العامة فيه.
خذ السياسيين،أو الأدباء،أو رجال الدين،أو رجال الفكر،أو الأطباء،أو الفنانين،أو العلماء المبرزين في مختلف التخصصات فماذا تجد؟ تجدأن الرجل هو الذي يقود ويبتكر على الرغم من أن هذه المجتمعات قد أعطت للمرأة مجالا مساويا تماما لمجال الرجل وفرصته في التعليم،والثروة وشتى مقومات الحياة منذ سنوات كافية. علام يدل هذا؟ إنه ليدل -فيما نرى-على أن طبيعة الرجل أكثر تهيئا واستعدادا لواجبات القيادة والابتكار.
وهناك حجة قديمة يلوكها بعض الناس في ذلك بين الحين والآخر: هي ان الرجل هو الذي عمل جاهدا منذ اقدم العصور على أن تظل المرأة مكبلة بفكرة الاختلاف الطبيعي بين الجنسين؛حتى يظل محافظا على مكاسبه في السيطرة عليها، وقيادتها، ومن ثم تعمل أجيال الرجال المتتابعة على أن لا تعطي للمرأة فرصة المساواة الكاملة حتى لا يبرز تفوقها عليه فيفقد حق قياداتها،وقد ربط بعض المفكرين في ذلك بين حكم الرجل للعائلة ودوافعه الاقتصادية من وراء رغبته في استمرار ذلك.
ويرد على هذه الحجة بأنه لو صح القول بأن الرجل استطاع أن يقهر المرأة تحت فكرة تفوقه عليها كل هذه الأجيال دون أن تستطيع تغيير هذا الوضع – فإن معناه الاعتراف الضمني من قائله بأن جنس الرجل كان أقدر على مر العصور من جنس المرأة في سياسة الحياة بينهما وقيادتها،ولو أن المرأة كانت تملك حقا من القدرات ما يساويه أو يربو عليه لما استطاع فرض ذلك عليها على اختلاف العصور والأمم والتقاليد والأعراف والأجناس ولا يؤثر في صحة هذه الحقيقة أن يقال:إن الرجل لم يعطها فرصة مكافئة لفرصته في التعليم حتى تملك مقومات التفوق والصراع؛لأن المرأة في كثير من البلدان قد نالت مثل فرصة الرجل تماما في التعليم لأجيال متتابعة،ومع هذا ما يزال الرجل-على وجه العموم -في هذه البلدان هو قائد الفكر والإنجاز الابتكاري وزعيمه فيها. وكل هذا يدل حقيقة على أن الأمر يرجع إلى تميز فطري بين الجنسين وإلى ما أودعه الله في كل منهما من صفات طبيعية،بحيث يصح معه القول بأن الله تعالى قد جعل (الرجل) قواما على النساء بما فضله به من صفات تجعله صالحاً لهذه المهمة.


