تحرير الإنسان من رق التقليد الأعمى وتربيته على الاستقلالية فى الإرادة، وتحريره من عبادة الأهواء، ودعوته إلى الاقتناع بالدليل ، وتحرير من الجهل والظن ،فإن الإنسان لم يخلق إلا ليعبد الله الواحد الذي لا شريك له، لأن الله سبحانه وتعالى خلقه وكرمه وميزه عن سائر المخلوقات بالعقل ليميز ويختار. والفكر هو إعمال للعقل فقد حث الإسلام عليه ، ودعا الناس جميعا ليصلوا به إلى الحقائق والنتائج المؤدية إلى الاقتناع الكامل بالعقيدة الإسلامية. يقول تعالى :{ ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين، وهديناه النجدين} سورة البلد الآيات8-10.
يقول الدكتور سعد الدين مسعد هلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر في كتابه “ حقوق الإنسان فى الإسلام”: يعنى هذا الحق بالقضايا التصورية التيث ينطلق فيها الفكر الإنساني بإبداعاته، والفكر هو أسمى صور العمل الذهني بما فيه من تحليل وتركيب وتنسيق، والفكرة: هي الصورة الذهنية لأمر ما ، يقال: فكر في الأمر، أي أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم، ليصل به إلى مجهول.
ويقدر الإسلام فكر الناس، ويعده حقا من حقوقهم، بل أنكر عليهم إهماله، كما قال تعالى :{ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} سورة الحج الآية46. تفسير ابن كثير للآية : أي ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر.
قال تعالى :{ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} سورة الأنفال الآية:22.أى أن هذا الضرب من بنى آدم شر الخلق والخليقة،لأنهم كما قال تعالى:{ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} سورة الأعراف الآية:179.
يقول الأستاذ محمد الغزالي في كتابه “حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة”: النظرة الأولى في القرآن الكريم تورث يقينا جازما بأن الإسلام يبني الاعتقاد الصحيح على النظرة في الكون..وأنه يجعل اليقين الحق ثمرة التفكير الحق، كما يجعل الكفر ثمرة عقل أصابته آفة سلبته نوره، أو ضللت مسيره.
في الإيمان بالله ورسوله قال تعالى :{ قل إنما أعظمكم بواحدة ، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}سورة سبأ الآية:46. وفي تفسير طبيعة الرسالة وشخصية الرسول:{ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم أني ملك، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، قل هل يستوى الأعمى والبصير، أفلا تتفكرون} سورة الأنعام الآية50.
وفى لفت النظر إلى أسرار التشريعات المختلفة عبادية أو اجتماعية:{ يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس، واثمهما أكبر من نفعهما ، ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، فى الدنيا والآخرة} سورة البقرة الآيتان 219و220. وفي إشعار الإنسان بأن هذا الكون كله خلق له، ويسر بره وبحره وعلوه وسفله له :{ وسخر لكم ما فى السموات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} سورة الجاثية الآية:13.
وتبدأ حرية التفكير من علاقة المسلم بدينه نفسه، فإن قوام الإسلام ولب رسالته كتاب مفتوح ميسر للذكر، مطلوب من الأمة أن تتدبره وأن تستفيد منه شرائعها جميعا.
يقول الدكتور محمد نجيب أحمد أبو عجوة فى كتابه المجتمع الإسلامى دعائمه وآدابه في ضوء القرآن والسنة :” فالمتدبر لآيات القرآن الكريم يتضح له أن القرآن جاء دعوة للناس ليتدبروا ويعقلوا ويفقهوا ويتبصروا ويفكروا، فهو دعوة لإعمال العقل والفكر بكامل الحرية دون حجر أو جمود وفي ذلك يقول تعالى :{ قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون}سورة الحديد الآية17.
وقوله تعالى :{قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون}سورة الأنعام الآية98،{ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}سورة محمد الآية24. أشار الطبرى فى تفسيره للآية الكريمة من سورة محمد فقال (أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظم بها في آيات القرآن الذى أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم مقيمون عليه).
ووسائل إعمال الفكر في القرآن الكريم متعددة الجوانب، وتكون إما عن طريق المحسوسات والملموسات، ومن ذلك قوله تعالى :{ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت } سورة الغاشية الآيات 17-20. وأما عن طريق السبب والمسببات ومن ذلك قوله تعالى { هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمونت ، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون، وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} سورة النحل الآيات10-13.
جاء في التفسير القرآني للقرآن للأستاذ عبد الكريم الخطيب،أن قوله تعالى “ للمؤمنين “ إشارة إلى أنه لا ينتفع بتلك الآيات الكونية ، ولا يقع على مواقع الهدى منها إلا أهل اليقين، الذين يطلبون العلم والمعرفة بالبحث الجاد والنظر المتفحص، ومن هذه الآيات الأرض والنفس التي بين جنبي الإنسان، يكفي أن تنظروا إلى أنفسكم فهي عالم رحيب وكون فسيح، فهذه مشاهد للقدرة الآلهية.
ولم تكن حرية الفكر مضمونة ومكفولة في الإسلام، لأن العقيدة الإسلامية مبنية براهينها على النظر في الكون، ودراسته دراسة واعية، حتى يتبع الإنسان الهداية الربانية التي يهتدي بها عن عقل وإقناع، فلا يمكن دراسة هذا الكون دراسة علمية إلا إذا كانت حرية الفكر سليمة.
فمن حق الفرد أن يتمتع بهذه الحرية التي حررته من الأوهام والخرافات والوقوع في أسر التقليد الأعمى . والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى الوجوب بالعمل به والرجوع إليه، وفي عشرات من الآيات القرآنية، بل مئات منها تتكرر فى كلمة العقل وما ارتبط من ألفاظ الفقه والعلم والتفكير.
والإسلام يقرر للإنسان أن يفكر فيما شاء وكما يشاء، وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير.أما إذا فكر الإنسان فى أعمال تحرمها الشريعة ولم يأت بها فلا شيء عليه، لأن العلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان على أحاديث نفسه، ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من قول أو فعل محرم، وإنما يؤاخذه على ما آتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم:” إن الله تجاوز لأمتى عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم” .
وخلاصة ذلك أن الإسلام جعل للفرد حرية الفكر والتفكير والتدبر والنظر، وحرية الفكر في الإسلام حرية شاملة تشمل المسلم وغير المسلم.
والمجتمع الإسلامي كفل هذه الحرية ليميز الفرد فى مجتمعه بين الحق والباطل، وبين الغث والسمين حتى يصل إلى الحقيقة، ولتكون المصلحة لمجتمعه، ولتزدهر الحياة الثقافية التى تضمحل دائما فى حكم الاستبداد كيفما كان لونه.
فحرية الفكر فى الإسلام مصونة، وعلى الدولة أن تتكفل بحمايتها من كل اعتداء عليها، إلا أن هذه الحرية مرهونة بشرطين أساسيين هما :أولا، عدم التفكير فى ذات الله،لأن حرية الفكر والتفكير قاصرة على ما أظهره الله لخلقه من آيات،ولأن العقل محدود في العلم والتغير من هذه الناحية، ومن ثم يجب أن يقف الفكر عند حدود علمه وقدرته. ثانيا منع الفكر المؤدي إلى هدم المجتمع والدولة أو أصل من أصول الدين.


