عالم وكتاب: أبو بكر الكندي من أعلام زمانه تشد إليه الرحال

إدريس بن بابه باحامد القراري -

[عَرَجُه لم يمنعه أن يكون من علماء نزوى المتمكنين


هو الشيخ العالم العلامة المتبحر في العلوم أحمد بن عبدالله بن سليمان الكندي، من علماء القرن السادس الهجري، والثاني عشر الميلادي، من بلدة سمد الكائنة في نزوى، بها نشأ وأخذ العلم عن علماء أفاضل زرعوا فيه حب العلم، والتضحية من أجله، ورأى فيهم النموذج الخيِّر للعلماء العاملين فكان لذلك أثر بالغ وبليغ في شخصيته التي وهبها الله تعالى حب العلم والعمل؛ ومن مشايخه: أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي غسَّان، والشيخ أحمد بن محمد بن صالح الغلافقي النزوي، إضافة إلى مشايخ عاشوا في نزوى في زمانه الأمر الذي جعله ينهل من معين علمهم الصافي لا يكلُّ ولا يمل، زاده تواضعه وورعه واجتهاده حبا له من مشايخه، وممن عاصره، لم يثنه عرجه عن الدراسة وطلب العلم، والسعي في قضاء حوائج الآخرين متى ما احتاجوا إليه، فقد تجاوز تلك العقدة التي قد يتأخر من أجلها كثير من الناس، لكن بفضل من الله تعالى وقدرته، وصبر من الشيخ وتقوى لله حباه الله تعالى بما حباه؛ من علم وبصيرة، عوضت له ما كان يعاني به من عرج، فليس على الأعرج حرج، وهو مثال للاقتداء في وقتنا المعاصر لمن يسمون بذوي الاحتياجات الخاصة، فقد أكد الشيخ أن الإعاقة لا ولن تكون سببا في الصد عن طلب العلم و المعالي،و تحقيق الأهداف.

[جدِّية في التأليف وإبداع وتنوع في المؤَلَّف أكسبه مكانة عالية بين علماء عصره.

وقد كان الشيخ الكندي علما من أعلام زمانه، يشد إليهم الرحال وتضرب إليهم أكباد الإبل، عرف بجدّيته التي برزت حتى في مؤلفاته، فقد كانت مؤلفاته على غاية من الجدّية والتحقيق، ما جعل طلاب العلم ينهالون عليها قراءة ودراسة وتأملا واستنتاجا، يعد الشيخ من ضمن من عقد الإمامة للإمام محمد بن خنبش في بلدة العوابي ، ماكثا عنده ما يقارب ستة أشهر يصرّف أمور الدولة ويهتم بها، إلى أن تلقفته يد المرض، فاستأذن للرجوع إلى بلدته نزوى، فرجع إليها، وبعد عشرة أيام من مكافحته ومغالبته للمرض، شاء الله سبحانه وتعالى أن يرفع روحه الطاهرة التي جاهدت في الله تعالى حتى أتاها اليقين، فانتقلت راضية مرضية إلى الرفيق الأعلى، مخلفة بعدها تراثا علميا مهما تفتخر به المدرسة الإباضية على الخصوص والأمة الإسلامية والإنسانية على العموم، وكانت وفاته عشية يوم الاثنين الخامس عشر من ربيع الثاني سنة سبع وخمسين وخمسمائة هجرية، ودفن في منطقة المض من سمد نزوى.

إن فارق جسد الشيخ الحياة فإن روحه لا تزال حية تذكر، ويتلى بالرحمات كل من اطلع على كتاب من كتبه القيمة، فقد خلّف الشيخ ثروة علمية معتبرة منها:

1- كتاب المصنف، ويعد أشهر كتاب للشيخ جامع لأصول الشريعة وفروعها، وقد أعيد تحقيقه مؤخرا من الأستاذ مصطفى بن صالح باجو، ويقع في واحد وأربعين مجلدا، ويعد هذا المصنف أشهر كتب الفقه الإباضي المشرقي، لما فيه من جودة في التأليف والتبويب، ووضوح العبارة، خال من الحشو والتكرار، تولى الشيخ العالم سالم بن حمد الحارثي رحمه الله تعالى فهرسته التي جاءت في جزء كامل وهو الجزء الثاني والأربعين.

2- الجوهر المقتصر، وهو كتاب في غاية الأهمية تناول الشيخ فيه مسألة قدرة الله تعالى على قسمة الجوهر أو الجزء الذي لا تجزأ! ومسألة الشهادة لمن مات على المذهب الإباضي، ويبدو جليا تمكن الشيخ في علم الكلام لمن اطلع على الكتاب.

3- التقريب، وهو كتاب قيم يسير في النحو، وهو ما سيدور الحديث عليه اليوم، ولا يزال الكتاب مخطوطا رغم أهميته التي تكمن في اختصار غير مخل.

4- التسهيل في الفرائض، وهو يتعلق بالمواريث وطريقة تقسميها.

وغير هذا من المؤلفات المهمة في أصول الشريعة وفروعها، كالتخصيص في الولاية والبراءة، الذي تولى تحقيقه الأستاذ حمود الراشدي، وكتاب الاهتداء وغير ذلك من الكتب التي لها صبغة شعرية أدبية كقصيدته في الاعتكاف، وقصيدة في تقريظز كتاب بيان الشرع وغير ذلك.

وقد تولى نخبة من الباحثين دراسة كثير من جوانب الفقه والشريعة من خلال مؤلفات في ندوات وملتقيات علمية الأمر الذي يدل وبكل وضوح مكانة الشيخ الكندي العلمية. رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ونفعنا بما تركه من علم. (ينظر ترجمة الشيخ: فهد السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية قسم المشرق، ج1، ص 36. ناصر، الشيباني، معجم الأعلام قسم المشرق، ص 56، 57).


كتاب التقريب


(عنوان): (وضوح الخط وسهولة المنهج أمور ميَّزت مخطوط التقريب يقع كتاب التقريب في خزانة حرف التاء من خزانة مخطوطات مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، برقم: (601)، وهو كتاب من الحجم المتوسط يقع في ثلاثين صفحة فقط، على أهميته، خط المخطوط بخط النسخ المشرقي الواضح، لا يجد المطلع عليه عناء في القراءة ما يسهل عليه عملية الاستفادة، إضافة إلى وضوح منهج الشيخ في طرحه للمادة العلمية، مقاس الصفحة الواحدة 22 سم طولا و15 سم عرضا، تحمل كل صفحة (16) سطرا، لا اختلاط بين الأسطر، ولا تزاحم، الأمر الذي يعطي للمخطوط شكلا ومنظرا رائعا، نسخ المخطوط الشيخ أحمد بن سعيد بن طالب السليماني، للشيخ : ناصر بن علي بن سعيد بن سليمان المفضلي، وكان ذلك في الرابع من شهر ذي الحجة سنة 1239هجرية.

(عنوان)[مخطوط التقريب نادرة من نوادر علم النحو في الاختصار والفائدة لا يزال المخطوط بحالة جيدة مع أن أوراقه قديمة، وهذا ما يظهر جليا، خاصة إذا تأملنا حواف الصفحات وأطرافها نجد أن بعضها تآكل، والآخر بدأ في ذلك الأمر الذي يستوجب ترميمه وحفظه حتى لا يضيع ويتلف. استعمل ناسخ المخطوط اللون الأسود وهو الغالب، واللون الأحمر وهو قليل فقد خصصه لبعض التنسيقات والتنميقات ومن ذلك كتابة لفظة (مسألة) أو ذكر عناوين الأبواب وما شابه ذلك.

يعد المخطوط على صغر حجمه نادرة من نوادر التأليف في هذا الفن لما حواه من اختصار غير مخل، وما تميز به من عمق في التحليل والتمثيل.

ما يلاحظ على المخطوط وجود كلام آخر صفحة بعد معلومات النسخ ليست من ضمن مادة الكتاب، فهي عبارة عن مسائل تتعلق باللحن في قراءة القرآن، وبعض الجداول في علم الأسرار.يبدو أنها من إضافات مالك المخطوط والله أعلم.


بداية المخطوط:


يبتدئ المخطوط بقول الشيخ:هذا كتاب التقريب في النحو، تأليف الشيخ العالم أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي السَّمدي النزوي العماني، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي زيَّن المخاطبات بالبلاغة والإيجاز، وحسَّن معاني الكلام بالحقيقة والمجاز، وصلى الله على نبيِّ الأمة محمد صلى الله عليه وسلم وآله مصابيح الظلمة، أما بعد: فهذا كتاب التقريب رسمته لمتعلم النحو بغاية التهذيب، رجاء أن يكون أقرب مأخذا، وأسهل في الفهم منفذا، فليخلص النية طالبه في تحقيق العلوم، وينزهه عن دنس الإعجاب ومراء الخصوم…# (الصفحة الأولى من المخطوط).


نهاية المخطوط:


ينتهي المخطوط بقول الناسخ: تمَّ كتاب التقريب تأليف الشيخ العالم أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي السمدي النزوي على يد الأقل إلى الله تعالى عبده أحمد بن سعيد بن طالب السليماني، للولد العزيز ناصر بن علي بن سعيد بن سليمان المضلي رزقه الله حفظ معانيه والارتقاء لمبانيه آمين رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.

تمَّ الكتاب تكاملت حال السرور لصاحبه عفا الإله عنه وبفضله عن كاتبه.

وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم أربع من شهر ذي الحجة سنة 1239هـ# (الصفحة 29 من المخطوط).


قبسات من المخطوط

من الأسماء ما ينصرف وما لا ينصرف


مما يمكن أن نذكره في هذا الباب من بعض الدرر التي ذكرها الشيخ في كتابه حديثه عن باب في الأسماء وفيما ينصر وما لا ينصرف، يقول الشيخ: $ باب آخر فيما ينصرف وما لا ينصرف، واعلم أن من الأسماء ما لا ينصرف ولا يدخله التنوين، ويكون في موضع الجر مفتوحا، وذلك كل اسم اجتمع فيه علّتان من تسع علل، وهي: التعريف والتأنيث والصفة والعجمة، والجمع، والعدل ووزن الفعل وزيادة الاسم والتركيب إذا كان الاسم معرفة مؤنثا، كعائشة وزينب، أو معرفة أعجميا كإبراهيم وآدم ويوسف، أو معرفة معدولا كعمر، أو معرفة زايدا كعثمان وكهلان.

أو كان على وزن الجمع الذي لا يكون مثله في الواحد كمساجد ومحاريب ودنانير وتماثيل ومساكن وما أشبه ذلك، فما كان على أحد هذه المعاني فإنه لا ينصرف إلا أن يدخل عليه الألف واللام أو يضاف فهنالك ينصرف، ويجوز جرّه وتنوينه لأن التنوين والإضافة والألف يعقب بعضه بعضا، فافهم ذلك، مسألة في الكلام المرفوع؛ والكلام على ثمانية أضرب، الفعل المستقبل، والاسم المبتدأ وخبر، والفاعل والمفعول إذا لم يسمَّ فاعله، وخبر إن وأخواتها، واسم كان وأخواتها، ونداء العلم المعهود والمعرفة في حبَّذا ونعم، وبئس وساء وكبر….# (الصفحة 15 ، 16 من المخطوط).


من أسباب الجر أو الخفض: العامل والإضافة


ومن الأبواب التي ذكرها كذلك، باب الخفض في الكلام حيث يقول: $..وأما المخفوض ففيه مسألتان؛ أحداهما حروف الخفض، والأخرى بالإضافة.

مسألة: وأما حروف الخفض فقد بينَّاها، وأما الإضافة فهي أن تضيف اسما إلى اسم فتخفض اسم الآخر لإضافة الأول إليه، وتعرب الأول بما يستحق وذلك قوله: غلام زيد جوادٌ، وراكب الجمل عمرو، وربُّ الدار زيدٌ، خفضت زيدا والدار والجمل بالإضافة، قال الله تعالى: (مالك يوم الدين) خفضت الدين بالإضافة يوم الدين، وخفضت يوما بإضافة ملك إليه، قال الله تعالى: (من شرِّ الوسواس) خفضت شر بدخول حروف الخفض إليه ، وهو من، وخفضت الوسواس بإضافة شر إليه، وخفضت الخنَّاس بالنعت للوسواس، فافهم ذلك.

وقال أيضا الحمد لله رب العالمين فالعالمين خفض بإضافة رب إليه وعلامة الخفض فيه الياء، لأن العالمين اسم للجميع ونصبهم بالياء فاعرف ذلك وقس عليه…# (الصفحة 24، 25 من المخطوط).

وهكذا مرّ الشيخ الكندي على أهم الأبواب الواردة في علم النحو، باختصار مهم، وإلمام رائع ممثلا وموضحا وكل ذلك في أسلوب يسير لا يمل منه القارئ ولا المتعلم والمستفيد.

فقد تعرض لعلامات الجزم، واختصاصات الاسم، وما يتبع الاسم في الإعراب، وقبل ذلك بيان الكلام، وبيان الأعراب وأقسامه وغير ذلك مما ستجده أيها القارئ النهم في كتاب التقريب للشيخ العالم أبي بكر الكندي رحمه الله تعالى رحمة واسعة ونفعنا بعلمه.