تاريخ وحكماء: نصح العاصي

د. ناصر الندابي -

ليس منا من هو معصوم عن الزلل، كلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون، ولكن نصح العاصي فن لا يتقنه إلا القليل، ومن أنبياء الله الكرام الذين منّ الله عليهم بذلك خليله إبراهيم، يقول الحكيم العليم في محكم كتابه الكريم: « وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» ( الأنعام: 38).وحين نقلب أبصارنا في تاريخنا لن نجد خيرا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في حكمته في نصح للعاصي، فكل الأساليب تتساقط أمام أسلوبه، وكل الحكم تتهاوى عند حكمه. وحين نصل إلى تاريخنا العماني نجد نماذج مشرقة من الحكماء الذين أحسنوا في نصحهم للعاصي، فأتت حكمتهم أكله، وانبتت ثمارا يانعه، فهذا نصح عام لأي عاص ينثره العلامة عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني فيقول:.. فمن كان يتلقلق لسانه، ويتعلق بالبهتان جنانه ، فيعقد على قلبه الإصرار وطرف لسانه عقد الاستغفار، إذ رأى عصاة العصيان توكأ بها، أو رأى بهيمة البهتان توركها، تراه يلتحف بنيران الغواية، ويتعامى عن دراري الدراية، فيبتكر إليها ابتكار أبو زاجر، وينشط إليها تنشط أبي وثاب، ويتلطف لتحصيلها تلطف أبي غزوان، ويتلون إلى تلقائها تلون أبي براقش ، ويصبر على ورودها صبر أيوب لاجتلاب حباء الحوب. أما من النماذج الحية في حسن أسلوب النصح فيقدم لنا العلامة المربي الشيخ حمود الصوافي نموذجا رائعا في ذلك فيروى أن أحد الشباب ودّع الشيخ حمود حفظه الله؛ فشم الشيخ رائحة الدخان تنبعث منه فقال له: أنت تدخن؟ قال الشاب: نعم فقال له الشيخ: ابسط يدك. ثم مسك الشيخ كف الشاب وبسط إصبعا إصبعا وهو يذكر أبيات الإمام السالمي رحمه الله في الجوهر:

يصفر اللون ينتن الفمـا*** يسود الأضراس أيضا فاعلما

ويورث السل مع الوباء*** ويخرق الكبد من الأحشـاء

ويورث الجذام ثم البرصا*** ومن له يشـرب ربه عصـا

ثم قال له الشيخ: أنت أنعم الله عليك بالصحة والعافية في جسمك وعقلك، وأنت بالطبع لا تريد أن تجلب لنفسك الضرر، فمن من الله عليه بنعمة العقل لا يريد أن يكون مجنونا. أليس كذلك؟ ومن من الله عليه بنعمة العين لا يريد أن يكون أعمى. أليس كذلك؟ ومن من الله عليه بنعمة الأذن لا يريد أن يكون أصم. أليس كذلك؟ ولكن برأيك من أراد أن يضر نفسه بنفسه، ويستبدل نعم الله عليه بشيء آخر يضره؟؟!!! كذلك لو أنك ذهبت إلى المستشفى فرأيت شخصا أصيب في عينه، وآخر في رجله، وذاك في يده، مع العلم أنهم لم يجلبوا لأنفسهم المرض، لتذكرت نعمة الصحة التي تتمتع بها؟! ثم إنك لو سألت أي طبيب في العالم مسلما كان أو كافرا عن الدخان لأجابك: بأنه مضر بالصحة باتفاق الأطباء. ثم سأله الشيخ: في اليوم الواحد، بكم تدخن؟ فقال: نصف ريال، فقال الشيخ: يعني في الشهر بـ15 ريالا، وفي السنة بـ180 ريالا! فما كان الأجدر والأفضل أن تعطى لفقير؟! ثم هذا من التبذير والمبذر أخو الشيطان كما قال تعالى… وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً «!؟ وما رأيك لو أتى إنسان بمبلغ من المال وقام بحرقه أمامك. ألا يعد مجنونا سفيها؟! قال: بلى ، وبعدها قال له الشيخ: يكفي أن جليسك ينفر منك بسبب رائحتك، فأنا لا أرى شفتيك، ولا أسنانك، ولكني عرفتك برائحتك!؟ أخيرا قال له الشيخ: نصيحتي لك يا بني أن تأتي بهذه السجائر وتجعلها بين حصاتين، وتخلص منها، واذهب وتوضأ، وصل ركعتين، وتب إلى الله، واسله أن يعينك على تركها، وعلى طاعته.