ترجمات – حوار «هارفارد» المضجر حول الابتكار

روبرت سامويلسون – ترجمة قاسم مكي -

واشنطن بوست -

إن العديد من الابتكارات إحلالية أو هدَامة بطبيعتها. (أي تقطع مع السائد وتؤسس سائدا جديدا) والإنترنت هي بالطبع « الشاهد الأول» على ما يفعله هذا النوع من الابتكارات. فقد أعادت إنتاج صناعة الموسيقى وهددت بالقضاء على المتاجر المبنية « بالأسمنت والطوب». وهي تغير في الطريقة التي نتحدث بها إلى بعضنا البعض (الفيسبوك وتويتر) كم أنها تحدث تحولا في تجارة الأخبار. وتوجد نماذج لاحصر لها من الابتكارات التي سبقت الإنترنت مثل السيارة والتلفزيون، إذا نحن عددنا اثنين منهما فقط. وربما تعتقد أن هذا شيء واضح لايمكن لأحد ان يجادل فيه. ولكنك ستكون مخطئا حينئذ. فلدينا أستاذان بجامعة هارفارد انخرطا في معركة فكرية « على غرار معارك اللهو التي يتقاذف المشاركون فيها بالأطعمة « حول الابتكار الإحلالي أو الهدام. وعلى الرغم من المتعة التي يمكن أن يجدها المرء في متابعة حوار هارفارد حول الابتكار إلا أنه في الواقع شجار سخيف يتعامل معه بجدية أناس ينبغي أن يكونوا على علم بسخفه. فعلى جانب (من الحوار) نجد كلايتون كريستينسن، أستاذ مدرسة هارفارد للأعمال. وهو الذي صاغ مصطلح «الابتكار الإحلالي» في كتابه الذي صدر عام 1997 بعنوان «معضلة المبتكر» وقد صار منذ ذلك الوقت أحد مشاهير أساطين الإدارة. (لم يستقر بعد تعبير موحد باللغة العربية لهذا المصطلح. فهو أحيانا الابتكار المخل أو الإحلالي أو الهدام إلخ. ويصف المصطلح العملية التي يتجذر من خلالها في البداية منتج «سلعة أو خدمة» في تطبيقات بسيطة في قاع السوق ثم يترقَّى إلى أعلى ويحل في النهاية محل منتج راسخ في السوق- المترجم) وعلى الجانب الآخر من الحوار المذكور نجد المؤرخة جيل لابور والتي أدانت في مقال من 6000 كلمة بمجلة نيويوركر نظرية كريستينسن باعتبارها تنحو إلى المبالغة وترتكز على دليل ضعيف. ورد عليها كريستينسن في مقابلة مع مجلة بلومبيرج بيزنس ويك. دعونا نبدأ بالتنويه بأن نظرية كريستينسن ليست مبتدعة أو مبتكرة على وجه الخصوص. فهي تكاد تكون تحديثا لفكرة شومبيتر. ونقصد به جوزيف أ. شومبيتر (1883-1950) الاقتصادي الأمريكي النمساوي الأصل الذي وصف « التدمير الخلاق» باعتباره جوهر الرأسمالية. (مصطلح التدمير الخلاق صاغه جوزيف شومبيتر في كتابه « الرأسمالية والإشتراكية والديمقرطية – 1942.» وهو يحدث حين تقضي سلعة أو خدمة جديدة على سلعة او خدمة قديمة – المترجم) فشومبيتر كان يرى أن المنافسة تحت ظل الرأسمالية لاتتعلق أساسا بالسعر أو نوعية السلع المتشابهة. إنها تتعلق بالسباق نحو اكتشاف تقنيات جديدة وطرق لأداء الأعمال توسع من نطاق المنتجات المتاحة وتغير نوعية الحياة اليومية وتدمر الصناعات القائمة. فكِّر في السفر الجوي الذي قضى على السفر بالقطارات ومطاعم الوجبات السريعة التي جعلت تناول الطعام في خارج البيت شيئا معتادا. فالعادات والشركات القديمة تفشل وتذوى. وتحل محلها عادات وشركات جديدة. لقد وسع كريستينسن استبصار أو فكرة شومبيتر بتصنيفه الإبتكارات (وهي في معظمها تقنيات جديدة) إلى ابتكارات «استدامة» وابتكارات «إحلال أو هدم للسائد «. فابتكارات الاستدامة تُحسِّن المنتجات والتقنيات الموجودة. أما ابتكارات الإحلال فتهدد النماذج الراسخة للشركات والمنتجات والأعمال. وربما أن شعبية كريستينسن ومبيعات كتبه وسط مديري الشركات تعكس إحساسهم بأنه يفهم محنتهم. فالعديدون منهم يشعرون بأنهم محاصرون بالابتكارات الإحلالية. إذن ما الذي تشكو منه المؤرخة جيل لابور (الطرف الآخر في الحوار؟). في مقالها المذكور شككت لابور في قدرة نظرية كريستينسن على التنبؤ بالابتكارات التي ستكون إحلالية والتي تتطلب لذلك اهتماما من الإدارة المعنية. وترى لابور أن الابتكارات الإحلالية لا تقضي في الواقع على شركات خطوط الإنتاج القديمة التي ستتواءم في آخر المطاف. ومن المثير أنها تشير إلى العديد من حالات الدراسة التي أجراها كريستينسن. وهي حالات ينبغي أن تفشل فيها الشركات الموجودة في السوق بحسب منطقه. ولكن ذلك لم يحدث. وتعتقد لابور أن نظرية كريستنسن ضئيلة القيمة من الناحية العملية كأداة للتعرف على الابتكارات الإحلالية. ربما يكون هذا صحيحا. فحين تكون تقنيات أو فنون إدارية ما جديدةً يكون من الصعب دائما تقريبا أن نرى ونتلمَّس مايعنيه ذلك. وحتى المروجون لمثل هذه التقنيات أو الفنون الإدارية الجديدة ربما لايمكنهم استيعاب الإمكانيات التي يمكن أن تَعِد بها (في المستقبل.) وهذه المبتكرات بحكم تعريفها لا تطاوع التفكير التقليدي. وتظهر استخداماتها العملية فقط بعد إجراء تحسينات وتجارب مستمرة عليها. ونحن نسمي تلك العملية «السوق.» إن التاريخ يعج بنماذج الفرص المهدرة في الاستفادة من ابتكارات مدهشة. فقد حاول شيستر كارلسون، بعد اختراعه الآلة الناسخة الحديثة، بيعَ براءة اختراعه إلى شركات آي بي إم وجنرال إليكتريك وآر سي أيه. ورفضت كلها. ولكن فقط شركة واحدة صغيرة قررت شراءها. وصارت هذه الشركة لاحقا «زيروكس.» ولنأخذ مثلا شركتي آي بي إم ومايكروسوفت. فإذا كانت آي بي أم قد تمكنت في وقت مبكر من تقييم الإمكانات المستقبلية للكمبيوتر الشخصي فمن المؤكد أنها كانت ستصر على أن تبيع مايكروسوفت حقوقها في برنامج نظامه التشغيلي. ولكن الذي حدث بدلا عن ذلك أن مايكروسوفت حصلت على رسوم الترخيص لكل جهاز حاسوب تم بيعه. ما تشكو منه جيل لابور في الحقيقة هو أن « الإحلال أو الهدم» صار كتابا مقدسا لمؤسسات الأعمال التي ترفع شعار « إما أن تَهْدِم أو تُهْدَم». والأسوأ من ذلك أن الإيمان بهذا الكتاب المقدس تمدد « إلى مجالاتٍ قيمُها وأهدافُها شديدة البُعد عن قيم وأهداف قطاع الأعمال.» وتشمل هذه المجالات « المدارس العامة والكليات والجامعات والكنائس والمتاحف والعديد من المستشفيات». وتقول لابور إن كل هذه المؤسسات (سواء في مجال الأعمال أو سواه) يتم إخضاعها إلى زعزعات أو اضطرابات مُحفَّزَة ذاتيا ومبررة بواسطة نظرية كريستينسن المهتزة. كلام معقول. إن حملة لابور لإبراز زيف نظرية كريستينسن تجعلها تبدو وكأنها تقلل من أهمية قدرة الابتكار على الإحلال والهدم. ويقينا فإنها ما كانت تقصد إلى ذلك. فهي بالكاد أشارت إلى شومبيتر. إذن فحوار هارفارد حول الابتكار لاقيمة له. ولم يفز فيه أحد. إن الابتكار أقل قابلية للسيطرة عليه قياسا بما يأمل فيه كريستينسن وأكثر إرباكا وإقلاقا مما تقرره ضمنا لابور.