كيف اختار الغربُ الحربَ في غزة

نيثان ثرول – ترجمة قاسم مكي -

نيويورك تايمز -

مع إطلاق حماس صواريخها على المدن الإسرائيلية، وبعد أن أعقبت إسرائيل ضرباتِها الجوية الواسعة بعمليةٍ برية في قطاع غزة، يتم تجنب الحديث عن أهم سبب مباشر لهذه الحرب الأخيرة. فإسرائيل ومعها المجتمع الدولي (في معظمه) وضعا مجموعة من العوائق الصعبة في طريق حكومة “ الإجماع الوطني” الفلسطينية التي تشكَّلت في أوائل يونيو. ويعود ظهور تلك الحكومة أساسا إلى يأس وعزلة حماس. فتحالفها مع إيران تحوَّل إلى أنقاض وخرائب. وارتباطها بحركة الإخوان في مصر صار خصما عليها بعد يوليو 2013. وفرغت خزائنُ حماس(من الأموال) بعد غلق الأنفاق وتوقف وصول البضائع وإيرادات الضرائب التي تعتمد عليها. وبعد أن رأت حماس ان المنطقة تكتسحها احتجاجات شعبية ضد القادة الذين لا يستطيعون توفير الحاجات الأساسية لمواطنيهم، اختارت التخلي عن السيطرة الرسمية على غزة بدلا عن المخاطرة بإطاحتها من الحكم. وعلى الرغم من فوزها بآخرانتخابات في عام 2006، قررت حماس نقل السلطة الرسمية إلى القيادة الفلسطينية في رام الله. وقاد ذلك القرار إلى اتفاق للمصالحة بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية وفق شروط وضعها كلها تقريبا محمود عباس، رئيس المنظمة ورئيس السلطة الفلسطينية. وسعت إسرائيل على الفور إلى تقويض اتفاق المصالحة من خلال منع قادة حماس وسكان غزة من الحصول على أهم فائدتين تترتبان عنه. أولاهما هي دفع رواتب 43 ألف موظف مدني في غزة مع استمرارهم في الخدمة تحت إدارة حكومة جديدة بدلا عن حكومة حماس. والفائدة الثانية هي التخفيف من وطأة إغلاق الحدود الذي يمنع معظم سكان غزة من الوصول إلى العالم الخارجي. ولكن حكومة المصالحة الفلسطينية كان يمكنها، من نواحٍ عديدة، خدمة مصالح إسرائيل. فهي قد منحت الخصوم السياسيين لحماس موطئ قدم في غزة. كما أنها شُكِّلَت دون أن تضم عضوا واحدا من حماس. واحتفظت بنفس رئيس الوزراء ونواب رئيس الوزراء ووزير المالية ووزير الخارجية في الحكومة المقيمة في رام الله. والأهم من ذلك أنها التزمت بالتقيد بثلاثة شروط للحصول على العون الغربي. وهي شروط ظلت تطالب بها أمريكا وكذلك حلفاؤها الأوربيون منذ فترة طويلة وتشمل التخلي عن العنف والالتزام بالاتفاقيات السابقة والاعتراف بإسرائيل. ولكن إسرائيل عارضت بقوة الاعتراف الأمريكي بالحكومة الجديدة وسعت إلى عزلها دوليا معتبرة أيةَ خطوة صغيرة نحو الوحدة الفلسطينية مهدِّدَا لها. كما تعترض المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على تقوية الروابط بين الضفة الغربية وغزة حتى لا ترفع حماس رأسها في الضفة الغربية. ويدرك الإسرائيليون الذين يعارضون حل الدولتين أن القيادة الفلسطينية الموحدة هي شرط مسبق لأي اتفاق سلام دائم. لقد استمرت إسرائيل، رغم معارضتها لاتفاق المصالحة، في تحويل الإيرادات الضريبية التي تقوم بجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية. كما واصلت تعاونها الوثيق مع الحكومة الجديدة، خصوصا حول الجانب الأمني. ولكن القضايا الرئيسية الممثلة في دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية وفتح الحدود تركت على حالها. وكان من الممكن للداعمين المزعومين للحكومة الجديدة، خصوصا الولايات لمتحدة وأوروبا، العمل على التخفيف من القيود على معابر الحدود لكي يثبتوا بذلك لأهالي غزة أن حكم حماس هو السبب في عزلتهم وإفقارهم. ولكنهم لم يفعلوا. بل بدلا عن ذلك ساءت الحياة أكثر في غزة بعد أن نقلت حماس السلطة إلى حكومة تكنوقراط موالية للغرب. لقد عرضت قطر دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في غزة (43000 موظف.) وكان بمستطاع أمريكا وأوروبا تسهيل ذلك. ولكن واشنطن حذِّرَت من أن القانون الأمريكي يمنع أي كيان من تسليم مدفوعات مالية ولو لموظف واحد من هؤلاء الموظفين. (هنالك عدة الآف من هؤلاء ممن ليسوا أعضاء في حماس. ولكنهم جميعهم يعتبرهم القانون الأمريكي حاصلين على دعم مادي من منظمة إرهابية.) وحين عرض مبعوث الأمم المتحدة حل هذه الأزمة بتسليم الرواتب عبر الأمم المتحدة لجعل كل الأطراف في حِلٍّ من المساءلة القانونية لم تساعد إدارة أوباما على ذلك. بل ظلت تتفرج حين طالب أفيجدور ليبرمان، وزير خارجية إسرائيل بطرد المبعوث الدولي على أساس أنه يحاول “تمرير أموال” إلى حماس. وتسعى حماس الآن إلى الحصول عن طريق العنف على ما لم تتمكن من الحصول عليه بتخليها السلمي عن مسؤوليات الحكم. وتسعى إسرائيل للعودة إلى الوضع الذي كان قائما في السابق حين كانت فترة توصيل الكهرباء لاتزيد عن 8 ساعات في اليوم والماء غير صالح للشرب ومياه المجاري تصب في البحر وشح الوقود يوقف محطات معالجة الصرف الصحي مما يجعل مياهها تغمر الشوارع أحيانا وحيث لايتمكن المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية من الوصول إلى المستشفيات في الخارج. وبالنسبة للعديد من أهالي غزة وليس فقط لأنصار حماس فإن الحصول على فرصة لتغيير هذا الوضع غير المقبول يستحق المخاطرة بالتعرض للمزيد من القصف الإسرائيلي إلى جانب العملية البرية الحالية. ولن يستمر أي وقف لإطلاق النار إذا فشل في حل أزمة الرواتب وفتح الحدود. إن انقطاع غزة عن العالم لايمكن أن يدوم وكذلك حصولها على خدمات موظفين لايحصلون على رواتب. ولكن من الممكن أن يكون وقف إطلاق النار أكثر استدامة إذا كان أكثر كرما، رغم صعوبة ذلك سياسيا بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. إن التصعيد الحالى في غزة نتيجة مباشرة لاختيار إسرائيل والغرب عرقلةِ تطبيقِ اتفاق المصالحة الفلسطينية في أبريل 2014. وسبيل الخروج من هذه الأزمة هو التخلي عن تلك السياسة.

* الكاتب كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية لقضايا غزة وإسرائيل والأردن والضفة الغربية.