د. عبدالحميد الموافي -
وباختصار شديد لم تعد القوة محصورة بالقوة المسلحة فقط، ولا بالقدرة الاقتصادية وحدها، لأن هناك عوامل وعناصر عديدة باتت تدخل في حساب القوة بالنسبة لكل طرف، ويزداد الأمر تعقيدا في حالات الممارسة العملية، ومحاولة طرف الدفع بالخصم الى الحائط، او الى حد يقترب من الاستسلام حسبما يعتقد او يظن. غير ان المفارقة تصل الى ذروتها عندما يتم اختبار قوة احد الاطراف، ويتبين عمليا ان قدرته – برغم مايملكه – محدودة، وانه لا يستطيع حمل الخصم الى النقطة التي الوصول به اليها. وهنا تحديدا يظهر بوضوح ما يمكن تسميته بعجز القوة. ومن المعروف ان عجز القوة يظهر دوما في حالات الحروب او المواجهات التي تكون الشعوب طرفا فيها. فقد انهزمت كل الامبراطوريات في مواجهاتها مع الشعوب، حدث ذلك مع بريطانيا ومع فرنسا والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وسيحدث ذلك بالقطع مع اسرائيل. والحرب الهمجية التي تشنها على غزة منذ الثامن من يوليو الماضي، قد تكون من الجولات الأخيرة في حرب لن تكسبها اسرائيل بالقطع، برغم ترسانتها الحربية والنووية، ولكن سيكسبها الشعب الفلسطيني، الذي هو بالقطع ايضا اكبر من حماس ومن اى فصيل آخر، قد يحاول حشره في جرابه او السيطرة عليه بتعاويذه او فتاويه.
نعم أعلنت حكومة نتانياهو منذ بداية التوجه نحو تحقيق المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، انها ضد المصالحة، وضد تشكيل حكومة وحدة وطنية، وانها ستعمل بكل السبل من اجل فصم هذه الوحدة والابقاء على التقسيم، الذي فرضته حماس منذ عام 2007 بعد سيطرتها على غزة بالقوة. وصحيح ايضا ان اسرائيل وقوى اليمين المسيطرة على سياساتها، وعقلها كذلك ، غير معنية بالسلام وحل الدولتين، لانها تشعر ان الواقع الفلسطيني، والعربي والدولي، هو بوجه عام في صالح اسرائيل، ولن يستطيع – في احسن الظروف – ان يمارس ضغوطا شديدة عليها لاجبارها على القيام بما لاتريد القيام به. ولكن الصحيح ايضا هو ان الحرب الهمجية على غزة، وضد حركة حماس والفصائل الفلسطينية الاخرى، او بالاحرى ضد الشعب الفلسطيني في غزة، تتجاوز اهدافها ذلك كله، لانها تستهدف ما يمكن تسميته بفرض السلام الاسرائيلي، اى الصيغة التي تراها اسرائيل للسلام وللتسوية، وللعلاقة مع الاراضي والشعب الفلسطيني. من جانب آخر فإن عمليات التدمير الواسعة النطاق، والممنهجة لإزالة احياء كاملة، واحداث اكبر عملية تخريب وهدم للبنية الاساسية في غزة، بمافي ذلك مرافق الصحة والتعليم والكهرباء، ليست مجرد عملية انتقامية، او حقد اسرائيلي، انها ببساطة عملية مقصودة لتحطيم حركة حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة، والعودة بقطاع غزة عقودا عديدة للوراء، وعلى نحو يستنزف كل الجهود الممكنة في عمليات اعادة البناء والتعمير لسنوات طويلة قادمة من ناحية، فضلا عن محاولة الوصول الى اقصى ما يمكن الوصول اليه في قتل المدنيين الفلسطينيين، لعل ذلك يؤدي الى احداث فجوة، او تباعد بين حماس والشعب الفلسطيني في غزة، او في غيرها من ناحية ثانية. ببساطة وصلت اسرائيل الى نهاية الشوط في استخدامها للقوة المسلحة، وضربت عرض الحائط بكل االقوانين والاعراف الدولية، والنواميس الانسانية.
واذا كان نتانياهو وحكومته المصغرة قد ارتكبوا هذا العدوان ، وما تخلله من جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، وعيونه على حزب الله وجنوب لبنان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل حقق نتانياهو هدفه؟ نعم تم تحطيم مرافق الشعب الفلسطيني في غزة، وتم تدمير عدد غير قليل من الانفاق، ومن القدرات العسكرية لحماس والفصائل الفلسطينية الاخرى، ولكن المؤكد ان الحرب الاسرائيلية على غزة قد كشفت بوضوح عجز القوة الاسرائيلية عن اخضاع الشعب الفلسطيني، او الدفع نحو السلام الاسرائيلي، اي بمقاييس وشروط اسرائيل. وليس ادل على ذلك من ان اسرائيل تفضل الآن الانسحاب من غزة من جانب واحد، ودون التوصل الى اتفاق مع حماس والفصائل او السلطة الفلسطينية، وهو امر لايشكل اى انجاز لاسرائيل.بل على العكس من ذلك، فقد فقدت اسرائيل الكثير مما كانت تتمتع به من تعاطف غربي وحتى داخل بعض الاوساط الامريكية والاوروبية. وهو امر سيكون له بالتأكيد آثاره الأكبر والأوسع في المستقبل، خاصة وان صورة اسرائيل اصبحت صورة المعتدي على الاطفال والمدنيين الفلسطينيين، والطائرات التي تقصف مدارس الاونروا والمستشفيات والجامعات، وهي صورة بالغة السلبية لن تتمكن اسرائيل من تغييرها بسهولة.
على الجانب الآخر فانه بعيدا عن الطريقة العربية المعروفة، والتي تجعل من مجرد بقاء القيادات – المختبئين في الانفاق او المغارات المحصنة – انتصارا، فإن العدوان الاسرائيلي الهمجي على غزة شهد اقدام حركتي حماس والجهاد على استهداف المدن الاسرائيلية بالصواريخ، على نحو غير مسبوق. وبغض النظر عن الاطلاق العشوائي لهذه الصواريخ، واقتصار آثارها على الجانب النفسي والاعلامي – وقد حاولت اسرائيل توظيفه لتبرير عدوانها والاستمرار فيه – فإن هذه الحرب استنفدت جانبا كبيرا من مخزون الصواريخ لدى حماس والجهاد، كما ان عمليات التدمير استهدفت الورش الصناعية في غزة الى حد كبير، ومع تدمير الانفاق، فان فرص وصول اسلحة اخرى يقل نسبيا على الاقل. وبرغم كل ذلك فان الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة، لايزال وسيظل متمسكا بقضيته، باعتبارها قضية تحرير وطن. وهذا التمسك القوي هو ما يفشل كل خطط اسرائيل، ويجسد عجز القوة الاسرائيلي.
وبعد الحرب الهمجية في غزة، فإنه من الواضح ان القتال والاعمال العسكرية، وعمليات التدمير الواسعة النطاق لغزة، لن تفسح الطريق امام سلام حقيقي، كما ان الفصائل الفلسطينية لن تتمكن من ازاحة الاحتلال بالقوة المسلحة وحدها، ولعل ادراك هذه النتيجة على الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني تفسح المجال امام العودة الى مائدة المفاوضات من اجل التوصل الى حل شامل للقضية، وانهاء الاحتلال الاسرائيلي، والعمل على اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، في اطار حل الدولتين. واذا كانت السياسة هي بنت الواقع على الارض، فان ما حدث سيؤثر بالضرورة على كلا الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، وهو ما ينبغي ان تضعه كل الاطراف في اعتبارها. اما كات، ومحاولة بعض الاطراف استغلال الدم والتضحيات الفلسطينية، لتسجيل نقطة هنا، او احداث عرقلة هناك، فانها تضر اكثر مما تنفع لان الشعب الفلسطيني، سواء في غزة او الضفة، يحتاج الى كل مساعدة جادة ومخلصة للاخذ بيده وتضميد جراحه ودعم وحدته وتماسكه الوطني، حتى يتمكن من استعادة ارضه وتحقيق استقلاله الوطني وبناء حياته على النحو الذي يريد، وحتى لا يدفع ثمن التنافس الاقليمي والدولي، وما يتخلله احيانا من مكائد او تسابق او شد ملابس الاطراف المختلفة في هذا الاتجاه او ذاك. فلعل الجميع يخلص في خدمة الشعب الفلسطيني وقضيته.فبعد ان عجزت القوة الغاشمة، فإن السلام العادل والشامل هو ما سيحقق مصالح كل الاطراف في النهاية وهذا هو جوهر قوة السلام في الحقيقة.


