هدى حمد –
مُجددا يأتي يوم المرأة حافلا بالضجيج الإعلامي، فنسمعُ عن مؤسسة تُكرم النساء العاملات وأخرى تُقدم لهن الهدايا، وثالثة تغضُ البصر، فتُبادر النساء لكي لا يمر هذا اليوم بشكل عادي، فيحتفلن بطريقتهن الخاصة، حتى وإن كان ذلك بجلب بعض أطباق الطعام من البيت لكسر الحواجز التي تنمو بين الغرف الاسمنتية.
وتلح الأسئلة مجددا: «هل كُتب لهذا اليوم أن يبقى أسير الاحتفالات والشموع التي توقد وتطفأ كل عام؟ إذ ليس ثمة اختلاف بين عام وآخر، يُخرج هذا اليوم من إطاره الاحتفالي إلى منطقة أعمق قليلا. وقد يقول قائل: «وماذا ينقصُ المرأة وحقوقها كاملة غير منقوصة». الحقيقة أني كنتُ ولا زلت وربما كثر يشتركن معي في الرأي حول ضرورة أن يصبح هذا اليوم ذا معنى وتأثير وذاكرة. بمعنى أننا نتبنى في كل عام موضوعا من المواضيع التي تُشغل حياة المرأة العمانية، وما أكثر ما يُشغل المرأة اليوم، وهي تُكابد مآزق جديدة، تستحق أن تُدار حولها الكثير من النقاشات الساخنة. على سبيل المثال: أثر وجود عاملات المنزل على حياة المرأة العاملة وأسرتها، وهذا الموضوع ستتناسل منه مواضيع لا تقل أهمية حول ضرورة وجود حضانات على كفاءة عالية، ومدعومة من قبل مؤسسات العمل. لأن مشاكل كثيرة انبثقت في المجتمع العماني الذي حدث فيه نزوح من القرى البعيدة إلى العاصمة مسقط، فلم تعد الجدة ولا الخالة ولا الجارة تقوم بأدوارها الطبيعية، ونظرا لعمل المرأة لنصف نهار كامل أو أكثر خارج البيت، أًصبحت خيارات الإنجاب أشبه بكابوس، أمام شبح العاملات. أيضا لم يعد منطقيا إعادة الأمهات إلى البيوت وترك العمل لأسباب يفرضها نمط حياتنا الاستهلاكية أولا، وثانيا لأن استقلالية المرأة المادية تعني استقلالية الرأي والقرار. تُواجه المرأة العمانية اليوم مشاكل مُركبة، وعصية على الفهم مالم تكن تحت مجهر التحليل. فهي كمن يحمل أكثر من كُرة في وقت واحد. فما أن خرجت للعمل، حتى رفض الرجل أن يدخل إلى صلب مسؤوليات البيت وأعماله. فبقيت هي تتأرجح بين كرة العمل، وكرة البيت والأطفال. وهي واحد من اثنين إما امرأة تعيش كالرجل تعمل ثم تعود لتأخذ راحتها في البيت وتدفع فاتورة ذلك غاليا وهي تركن بيتها وأولادها إلى العاملة الأجنبية، وإما أن تلهث وراء الكُرات، فما أن تنهي عملها حتى تعود راكضة لتعوض أطفالها وبيتها وتدفع ثمن الغياب، النموذج الثالث يبدو نادرا للغاية إذ تجد الرجل يُقدر تعب زوجته، فيضع يده بيدها لإنهاء باقي المسؤوليات المترتبة عليهما معا، وأكرر هذا النموذج نادر ونكاد لا نراه. مما يجعل «رِجل العاملة قبل رِجل الزوجة» شرطا ضروريا في منازلنا. بالمقابل فالرجل الذي كان يضع ضمن مواصفات الزوجة: «الجمال والأخلاق والنسب»، أضاف على رأس القائمة ضرورة أن تكون «عاملة»، لأنه يُدرك رتم الحياة الجديدة.
لفتني ما قامت به «شبكة عُمان القانونية»، من تصميم أنيق وجذّاب لقوانين تصبُ في رفع سقف وعي المرأة بحقوقها، فإحدى المشاكل التي تُكابدها المرأة اليوم على الرغم من التعليم هو الأمية القانونية، والمصيبة أدهى وأمر لو كانت تلعبُ دور الضحية برضاها لكي لا يُعاتبها المجتمع.. ماذا أيضا عن القوانين الأخرى التي تحتاج إلى إعادة نظر، كساعة الرضاعة، وإجازة الأمومة، وزواجها بغير العُماني، والختان ومواضيع أخرى في غاية الحساسية آن الأوان لكشفها وطرح الأسئلة حولها.
للأسف الشديد هنالك محاولات لإعادة المرأة المتعلمة لأشواط ضوئية إلى الوراء، بسبب الخطاب الذي يُوجه لها، والمؤسف أنّ المرأة تستجيب له بدرجات متفاوتة. فبعض المحاضرات التي لا همّ لها سوى نهب الجيوب، «وأقول البعض وليس الكُل»، لا تلبث أن تبث سمومها، وهي تُحاصرنا بعناوينها الجذابة الرنانة، ولا تحمل سوى هشاشة دلالاتها، من قبيل: «كيف تربطين زوجك بحبل وثيق إلى جوارك، فلا ينظر لسواكِ، ماذا تلبسين وماذا تأكلين وكيف تتكلمين وكيف تعيشين»، إنه أقرب للتعبير الذي استخدمه أحد الكُتاب على الفيس بوك في سياق مُقارب «بيع الوهم»، وللأسف الشديد النساء هن أكثر من يشترين الوهم، وينسفن مدخرات القوة والشهادات العالية من أجل حلول وهمية.
وأخيرا: أتمنى أن لا نُطفئ الشمعة المقبلة على ضجيج الاحتفالات الفارغة ، وإنما بعنوانٍ دسم لقضية تذهب بالمرأة خطوةً للأمام.


