من تراث سلسلة «اقرأ» .. حكاية كتاب قديم

إيهاب الملاح –

في عام 1943، أصدرت دار المعارف، أكبر دار نشر في العالم العربي في ذلك الوقت، سلسلة كتبها الشهيرة «اقرأ»، وكان يشرف عليها ألمع نجوم الفكر والثقافة في العالم العربي آنذاك، طه حسين وأحمد أمين والعقاد وآخرون، وبهذه المناسبة نظمت الدار حفلا باهرا دعت إليه كبار الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية، وصدرت الصحف في صبيحة اليوم التالي لهذا الحفل وهي تزدان بصور الحضور، ورصدت كاميرات المصورين اللقاءات والأحاديث الجانبية بين عمالقة الفكر والثقافة المصرية والعربية.

في هذه السلسلة، قرأتُ عشرات الكتب التي تحولت بدورها إلى كتب أخرى في عملية متصلة مركبة لا نهائية، بالضبط مثل لحظة الانشطار النووي التي تبدأ بانقسام نواة واحدة لتصل إلى ما لا نهاية من الانشطارات.. هكذا تأتي البداية، كتاب ثم كتابان ثم أربعة ثم ثمانية.. وهكذا، والكم هنا ليس هو الذي يُعول عليه بل الانتقال من معرفةٍ إلى معرفةٍ ومن مستوى إلى مستوى، ومن موضوعٍ إلى موضوعات، ومن مؤلف إلى عدة مؤلفين..

لن تجد واحدا من الأسماء التي ذكرتها أو لم أذكرها في هذه الفترة لم يتوجه لقارئ مفترض، يبحث عنه مثلما يبحث هو الآخر عنه، كتبوا في كل المجالات والفروع بقدر ما تسنى لكل منهم من معرفة وتحصيل، لكنهم دائما لم يغفلوا حق الذين يرتقون الدرجات الأولى على سلم المعرفة، يضعونهم نصب أعينهم، يبحثون عن الوسائل والوسائط المناسبة للتواصل معهم. طه حسين في عشرات من كتبه كان مهموما بهذه الغاية الرفيعة «التعليم» و«التثقيف»، تيسير المعرفة لراغبيها، السعي لمشاركة القراء كل جديد مفيد وممتع، تجد هذا في كتابه «ألوان»، مثلا، الذي جمع فيه افتتاحياته لمجلة الكاتب المصري حينما كان رئيسا لتحريرها في الفترة من 1945 وحتى 1948، مائدة حافلة بأشهى الأطعمة، كتبَ عن ابن حزم الأندلسي كما كتب عن ستندال، وقارن بين كتابيهما الرائعين «طوق الحمامة» للأول و«الأحمر والأسود» للثاني، جنبا إلى جنب ما كتبه عن «فولتير» و«بول فاليري»، مثلما كتب أيضا عن «أندريه جيد» و«كافكا»، والأدب الأمريكي والفرنسي والألماني..

وللعقاد عشرات من الكتب التي توجه بها إلى هذا القارئ المحتمل، «القارئ» الذي يبحث عن المتعة والفائدة، ونظرة إلى عينة من هذه الكتب ستعرف كيف كان العقاد يستميل القراء:«سيرة قلم»، «أنا»، «ساعات بين الكتب»، «الفصول»، «رجال عرفتهم»، «يسألونك»، «يوميات».. إلخ

ولم يفارق محمد حسين هيكل هذه الدائرة كما ترى في كتابه «في أوقات الفراغ»، وجمع أحمد أمين بدوره مقالاته الافتتاحية لمجلة «الثقافة» العريقة التي كان يرأس تحريرها طيلة عشرين عاما في كتابه الباذخ ذي الأجزاء العشرة «فيض الخاطر». تخيل لو أن كل هؤلاء قد اجتمعوا في مُؤلَّفٍ واحد، يخاطبونك مباشرة ليجيبوك عن السؤال المهم: «لماذا نقرأ؟» يعرضون أمامك خلاصة تجربتهم في القراءة، كيف كانت، ومن أين بدأت الرحلة وإلى أين صارت، ماذا أحبوا من كتب وكيف تشكلت وتكونت النواة المعرفية التي انطلقوا منها كل في مجاله ليكونوا بعد ذلك هؤلاء الكبار؟ يطرحون وجهات نظرهم وماذا تعني لهم القراءة وما الجميل فيها!

«لماذا نقرأ؟» كان عنوان كتاب صغير الحجم، لكنه جليل القدر والقيمة، صدر في الستينات من القرن الماضي، وسجل فيه نخبة من كبار مثقفينا ومفكرينا تجربتهم مع القراءة، ورغم صغر حجم الكتاب فإنه قدم مادة رائعة غاية في الروعة والمتعة والإدهاش، لا يمكن بأي حال أن يطالعه شخص في مستهل الطريق ولا يكتسب منه قوة دفع مهولة وطاقة إيجابية غير مسبوقة تحرضه على القراءة وتجعله شغوفا بها، راغبا فيها، محبا لها.

الكتابُ سجل وافٍ لذكريات هؤلاء الكبار مع القراءة وآرائهم عنها، لحظة التعرف الأولى، الاكتشاف الأول، افتضاض المعرفة بعشق، عقد الصداقة الذي لم ينقطع والعهد السرمدي المتجدد بينهم وبين الكتاب «صديق العمر»، تناول كل منهم موضوع القراءة من مدخل مختلف، فمنهم من سجل ذكريات وانطباعات ذاتية، ومنهم من حكى عن القراءة والعلوم والثقافة العلمية، وبعضهم تحدث عن خبرة الترجمة كأحد أشكال القراءة المنتجة، وآخر رأى القراءة عملية حسابية تؤتي ثمارها بالأرقام، ويأتي واحد منهم ليقدم «روشتة» مبهجة وشهية تحفز على القراءة وتفتح الطريق وتثير الخيال!

من يتصور أن في هذا الكتاب سيواجه طه حسين، وجها لوجه، يحكي عن تجربته مع القراءة أو «زاد الشعب» كما أطلق عليها، وهو الذي يقول في هذا الكتاب «ما نعرف شيئًا يحقق للإنسان تفكيره وتعبيره ومدنيته كالقراءة».

سيفاجأ القارئ بأنه أمام العملاق عباس محمود العقاد، يجيبه عن السؤال «لماذا هويتُ القراءة؟»، ويكشف له عن أسرار طفولته وبداية تعلقه بالقراءة وشغفه بها في كتابة جميلة ممتعة، صادقة وعارمة بالتفكير والخبرة والفائدة، وستجد العبارة الرائعة التي يتذكرها كل أبناء جيلي، التي أجاب بها العقاد عن السؤال، وكنا نحفظها عن ظهر قلب ونحن في المرحلة الابتدائية: «كلا.. لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرا في تقدير الحساب.. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب».

العقاد أيضا هو الذي قال «الكتب كالناس، منهم السيد الوقور، ومنهم الكيّس الظريف، ومنهم الجميل الرائع، والساذج الصادق، والأريب المخطئ، ومنهم الخائن والجاهل والوضيع والخليع. والدنيا تتسع لكل هؤلاء. ولن تكون المكتبة كاملة إلا إذا كانت مثلًا كاملًا للدنيا.

يقول لك المرشدون: اقرأ ما ينفعك. ولكني أقول: بل انتفع مما تقرأ، إذ كيف تعرف ما ينفعك من الكتب قبل قراءته؟ إن القارئ الذي لا يقرأ إلا الكتب المنتقاة كالمريض الذي لا يأكل إلا الأطعمة المنتقاة. يدل ذلك على ضعف المعدة أكثر مما يدل على جودة القابلية».

سيخبرك الفنان والمثقف الكبير توفيق الحكيم بأن القراءة «طعام العقول» لا من باب الإنشاء ورص العبارات، ولكن من واقع خبراته وتجاربه وأسفاره التي تزود منها بغذاء الروح العقل، الفنون والآداب والعلوم، وسيروي لك الفنان والمثقف الكبير حسين فوزي الشهير بسندباد عما توصل له بشأن القراءة التي لخصها في جملة «القراءة فن»، ويخاطبك الفنان والكاتب المرهف رقيق الحس جميل الطلعة والعبارة يحيى حقي صاحب «قنديل أم هاشم»، في «اعترافات لا تقال إلا لصديق».

وستسمع الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، وهو من هو، يناجي نفسه متسائلا: ما جدوى الشعر؟ وسيكتب الرائد الشامي الكبير عادل الغضبان عن «الكتاب»، وكان الغضبان «شعلة النور والنار» في دار المعارف وأحد أعمدة نهضتها الكبار، ربما كان الغضبان أول من مارس مهنة «المحرر الأدبي» لدار نشر بمعناها الحرفي المعاصر، في ذلك الزمن البعيد.

وتحت عنوان «لماذا نقرأ وكيف؟» ستقرأ مقالا إرشاديا بديعا، كتبه الرائع حلمي مراد (من صناع ثقافتنا المصرية المجهولين، صاحب سلسلة «كتابي» التي وفرت معرفة أولى وممتازة بروائع الفكر الإنساني عبر العصور، وقدم ترجمات أمينة وناصعة لعيون الأدب العالمي منذ عصر الإغريق وحتى القرن العشرين).

ستطالع أيضا في هذا الكتاب مقال الدكتور إسماعيل صبري عبدالله عن «القراءة والعلم» الذي طرح فيه مجموعة من الإشكاليات الحضارية والعلمية المرتبطة بالقراءة، مما جعل من مقاله «بحثا» ممتعا، درسا رائعا في ربط الفنون الإنسانية بالعلوم الطبيعية. ستجد ما كتبه أحدهم من أن «القراءة حياة، عقاقير الروح وغذاء النفس وطب العقول، ومهما أوتي الإنسان من عبقرية فقد تجف نضارتها فيه إن لم يتعهدها بري القراءة».

هذا الكتاب «كنز حقيقي»، أراهن على أن هذا الكتاب «الخطير» سيكون سببا مباشرا في جذب الآلاف من الشباب لكي يقرأوا، ومن لم يكن مقبلا على القراءة شغوفا بها سيتحول عقب قراءة هذا الكتاب إلى «عاشق متيم» مفتون بعملية القراءة في ذاتها، سيكتشف أنها متعة متجددة مشتهاة، لا تنفد لذّتها، ولا يرتوي شاربها.