نهاية الحزبية العربية

عمر كوش – كاتب سوري -

تطرح ثورات الربيع العربي التي فجرها وقادها الشباب، أسئلة كثيرة على الأحزاب التقليدية، التي عرفتها بلداناً عربية، مثل سوريا والعراق ومصر.


وتمتدّ التساؤلات لتطاول إشكالية الحزبية في الحياة السياسية والثقافية العربية بشكل عام، وماهية الشكل السياسي والتنظيمي الذي يتجاوب مع مقتضيات التغيير المطلوب في اقع الحال المتحقق في كل بلد عربي، خصوصاً وأن الأحزاب القومية واليسارية، تنتمي في علاقتها مع الدولة، إلى ما تسميه أدبيات علم السياسة، بالأحزاب ذات النشأة الخارجية، لم تختلف كثيراُ عن تلك الأحزاب ذات النشأة الداخلية.

وقد شهدت الأحزاب في مختلف البلدان العربية، سواء في السلطة أم في المعارضة، أزمات عاصفة منذ الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم، أفضت إلى ضعفها وتفككها، وتلاشي بعضها، حيث كانت تنتهي الأزمات – في كل مرّة – أما بالتصفيات والإعدامات والنفي على مستوى أحزاب السلطة الحاكمة، أو بانشقاقات أو تجميد أو خلافات على زعامة الحزب، على مستوى أحزاب المعارضة، وتأخذ جميعها طابعاً قاسياً من العداوات والاتهامات والمكائد، الأمر الذي يعكس حالات قسوى من الانهيار والتردي على مختلف المستويات، ويؤكد غياب الممارسة الديمقراطية، وأبسط تقاليد الحزبية المدنية الحديثة.

واتسمت العلاقات الداخلية في الأحزاب التقليدية العربية بالشخصنة، حول قطب أو شخصية كبيرة من شخصيات الحزب أو مجموعة من الشخصيات، حيث لم تكن السمة الأساسية للانشقاقات في الأحزاب القومية واليسارية الرديكالية، تتصل كثيراً بالسمات الفكرية أو السياسية بشكل أساسي.

ويزداد الأمر وضوحاً في انشقاقات الأحزاب العقائدية، التي غالباً ما تتأثر بعوامل فرعية، قد تكون أحيانأ ذات ألوان جهوية أو مذهبية.

ربما، يكون الأمر نتيجة طبيعية، نظراً لأن الأحزاب والتنظيمات التي عرفتها الحياة الحزبية العربية، منذ خمسينات القرن العشرين المنصرم، وخصوصاً تلك التي وصلت إلى الحكم، لم تعمل على إرساء تقاليد ديمقراطية، بل على إثارة مختلف العصبويات الفئوية والمذهبية والإثنية، وعلى تعميق التفاوت الاجتماعي والطبقي، وعلى تأبيد حاضر الركود والفوات، ولم تتمكن من صون وتقوية الوحدة الوطنية حتى في داخل البلد الذي تحكمه، وابتعدت عن أقلمات المفهوم الحديث للمواطنة والانتماء للوطن، فحلت مختلف الانتماءات الطائفية والاثنية والجهوية والعشائرية، لتفعل فعلها في ثنايا وتفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية في البلدان العربية. وعلى الطرف المقابل بدت ممارسات أحزاب المعارضة، ولو بدرجات متفاوتة، وكأنها لا تختلف كثيراً عن ممارسات أحزاب السلطة، بل وعجزت عن تشكيل بديل ديمقراطي ومدني، قادر على تقديم نموذج مختلف.

وبقيت الحياة الحزبية العربية مشدودة إلى مفهوم الحزب التوتوليتاري، العسكري الانضباط، في أغلب لحظاتها التاريخية الحديثة، ولم تخرج إلا في لحظات نادرة عن نطاقه الضيق.

ونشأ مفهوم جديد للسلطة المستبدة في الأقلمة العربية، هو مفهوم السلطة المتسلطة على المجتمع، على حساب مفهوم السلطة الممثلة للمجتمع، مع أن تحقق مفهوم السلطة أفضى في عالم اليوم إلى مفهوم السلطة المنظمة للمجتمع، ذلك .

أن دور النظام السياسي اليوم يتجسد في تنظيم القوى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ووضع هذه القوى في طريقة تناغمية قادرة على تحقيق الهدف الاجتماعي الأسمى، من خلال وضع نظم ومؤسسات قادرة على خلق تفاعل إيجابي سلمي بين هذه القوى عبر سلسلة من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ينهض هدفها على تحقيق الأهداف الاجتماعية عبر الوسائل التكافلية والاحتضان وليس عبر الإقصاء والإبعاد والتخوين.

لا شك في أن أزمة الحزبية العربية لا تخرج عن مقدمات التسلط والاستبداد، إذ كيف يمكن لحزب ما، يساري أو قومي أو إسلامي، أو أي حزب آخر أن يكون ديمقراطي الممارسة في ظل استدامة حالة الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية والاعتقال التعسفي، وبالتالي كيف يمكن تعلمّ الديمقراطية في ظل الهمينة والاستبداد؟ وهذا يطرح التغيير الديمقراطي كضرورة ملحة في البلدان العربية، للخروج من حالات القمع والاستبداد والأزمات والتردي والانهيار، إلا ان التغيير لا يكمن في سرعة حدوثه، إنما في الكيفية والمعنى والطريق التي تفضي إليه.

خصوصاً وأن الحياة الحزبية في البلدان العربية لم تعرف غير أنماط انقلابية، أفضت إلى نظم الهيمنة الشمولية.

إن التغيير المطلوب يتطلب أموراً عديدة، وفي مقدمتها السير باتجاه تشكيل حركة أو تيار مدني وطني، أي خلق كتلة اجتماعية واسعة، ذات طابع انتخابي، وغير ملزمة بالتواصل الحزبي أو بنمط تنظميه السائد، الذي يتطلب الانضباط والتوحد في الانتماء والولاء والأفكار، وبالتالي فالحركة أو التيار عليه أن يتجسد في تشكيلة سياسية واسعة، تنهض على المصلحة الانتخابية، وعلى فعل تواصلي قائم على الحوار الفكري بين أفراد أحرار.

لن ينفعنا الاستغراق طويلاً في بحث الإطار النظري الحامل لثقافة حزبية ديموقراطية سلمية في ثنايا ثقافتنا السياسية، إذ الممارسة هي سيدة الأحكام في هذا المجال، والمأمول هو إرساء تقاليد ديمقراطية سلمية، تنبذ اللجوء إلى العنف، عبر بناء تيار تقع على كاهله مهمة إرساء تقاليد طريق سلمي للتغيير الديمقراطي في بلادنا التي هي بأمس الحاجة إليه، بعد أن جربّنا طويلاً مختلف أساليب العنف، والعنف المضاد، التي لم تفض إلا إلى مزيد من الدمار والتردي والانهيار.