عاطف الغمرى – نائب رئيس تحرير الاهرام -
لا تتوقف المعلومات التى تصدر عن مسؤولين أمريكيين، وتتحدث عن الانقسامات داخل فريق إدارة أوباما، حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وفى وسط هذه الأجواء، جاء كتاب للمؤلف جوبيكر، ليؤكد من داخل الغرف المغلقة حقيقة هذه الانقسامات، وهو الكتاب الذى يحمل عنوان «كيف يصنع الرئيس سياساته».
واصفا حالة التشتت فى رؤية هذا الفريق للعالم، وعدم القدرة على التعامل مع ما يجرى فيه من تطورات.
في سنوات سابقة، لم تكن تلك حال صناعة قرار السياسة الخارجية في الولايات المتحدة. فالدور الذي كان يلعبه مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، كان دوراً حاسماً، نظراً لأنه كان يضم نخبة من أقدر أصحاب الخبرة في السياسة الخارجية، والإحاطة بالعالم، بمناطقه الإقليمية، سياسة، وثقافة، واقتصاداً.. وهم يقدمون للرئيس رؤية ناضجة، وخيارات متنوعة، ليختار من بينها شكل السياسة الخارجية التي يتبعها، وذلك من جلسات تجرى فيها – في حضوره – مناقشات، وجدل بين أعضاء المجلس. بالإضافة إلى معلومات أجهزة المخابرات، والأمن القومى. بحيث لا ينتهي القرار إلى ما يعبر عن تفضيل الرئيس لتوجه على آخر، وإنما يكون القرار معبراً عن الواقع الخارجي، الذي يتعامل معه، ومع مصالح الأمن القومي لبلاده.
صحيح أن العالم قد دخل في طور تغيير أساسي، في السنوات العشر الأخيرة على الأقل.
وبدأت تتعدل فيه أوضاع دول كثيرة، مع بروز لدول صاعدة حققت تنمية اقتصادية مبهرة. بالإضافة إلى الصعود التاريخى للصين، وهو ما كان يفرض على صانع القرار في الولايات المتحدة، صياغة جديدة لإستراتيجية سياسته الخارجية، للتعامل مع الواقع الدولي المتغير.
وصحيح كذلك أن مؤسسات كبرى بالولايات المتحدة استوعبت كون العالم يتغير، وهو ما كان يعني أن تكون هناك إستراتيجية جديدة، يتم صياغتها من جانب أصحاب الخبرة، والعلم، والمعرفة، لكن يبدو أن التغيير في العالم كان يسير بإيقاع أسرع من قدرة إدارة أوباما على اللحاق به. وهو ما أكده خبراء أمريكيون في السياسة الخارجية، من أن أوباما لا يزال يسير على نهج الفكر الإستراتيجي القديم والراسخ فى العقل الأمريكي، عن هيمنة أمريكا على العالم، والبحث عن الطرق التى تحفظ لها هذه الهيمنة.
ولما كانت نتائج هذه السياسة، تأتي دائماً بعكس ما كان متوقعاً لها، لهذا كثرت الانقسامات داخل إدارة أوباما، حول كيفية إدارة السياسة الخارجية.
وحسب ما نقله جوبيكر عن مسؤولين أمريكيين، أن جلسات إستراتيجية للفريق المعاون لأوباما كانت تعقد، لكنها تنتهي بلا نتائج، أو قرار.
وأيضا بقول مسؤول كبير بإدارة أوباما، للمؤلف بيكر، ليست هناك خطة حقيقية نعمل عليها. وهناك حالة من عدم اليقين بشأن التطورات الناجمة، عن أحداث نرى مظاهرها أمامنا الآن.
المتابعون في أمريكا، يذكرون نماذج للارتباك، الذي يسود الرؤية السياسية لإدارة أوباما. من بينها وثيقة التوجه الإستراتيجي الدفاعي لعام 2012، والتي حددت منطقين ستظلان محل تركيز أساسي للسياسة الأمريكية هما: آسيا/ الباسفيك، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ثم ما جرى بعد ذلك من توجه لتخفيف التركيز على الشرق الأوسط، لحساب زيادة التواجد الإستراتيجي فى آسيا إلى أن عادت أحداث الشرق الأوسط، تجذب أمريكا من ثيابها – على حد تعبير أحد الخبراء الأمريكيين – فبدت إدارة أوباما، واقفة بين الاثنين، لا تعرف لنفسها اتجاهاً تسير فيه.
والنموذج الآخر، هو أحداث الربيع العربي عام 2011، والتى جعلت الولايات المتحدة تشعر أن الزمام هناك أفلت من يدها، بعد أن جاءت الأحداث فى الأيام الأولى عام 2011 مختلفة عما كانت خطة الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة، قد رسمتها.
وعاشت إدارة أوباما حالة من عدم اليقين مما هو قادم، إلى أن تحركت بضغوط من وراء الستار، لدفع الإخوان إلى الحكم، وهو ما جعلها تشعر أن الزمام عاد إلى يدها مرة أخرى، بعدها سقط حكم الإخوان، فاندفعت إلى قرارات مرتبكة، تمثل ردود أفعال وتخلو من أي رؤية إستراتيجية للمدى البعيد، وتقف في وجه حركة التغيير في مصر، التي فرضت نفسها في النهاية.


