حمود بن عامر الصوافي -
عمارة الأرض واستخراج كنوزها تعد من تعاليم الله وأوامره التي لا ينبغي أن نفرط فيها فليست العبادة محصورة في الصلاة والصيام بل هي تشمل الحياة كلها، قال تعالى:« قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» [الأنعام/162]، فلا يعقل أن نكون رهبانيين فقط فتلك السلبية بعينها لم يرد أن يجعلها الله لعباده المؤمنين، قال تعالى:« وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ»[الحديد/27]، لذلك يطلب من المؤمن أن يكون حاضرا في كل مكان موجودا في كل شبر من أرض الوطن ينافس الآخر ويبدع بما يملك من عقل وذهن فهو أولى من غيره بنعم أرضه كما أن الرصيد الخلقي لدى المؤمن الحق لا يخضع لقانون الرقابة بل هو أعلى من رقابة القانون إنها الرقابة الذاتية.
فالحق لدى المؤمن محفوظ مهما ساءت الظروف واكفهرت ومهما تأزمت الأحوال وأعتمت، وما زالت قصص الورع والعفة والزهد كثيرة تتناقلها الناس، أمانة لا تضاهيها أمانة تصور أن يحترز العبد المؤمن من حك غنمه حائط جاره خوفا أن تكون الغنم قد أثرت على جدار جاره فقد ضربوا أمثلة كثيرة في الأمانة والصدق ولا يزالون يعظمون الأمانة ويحذرون من أخذ حقوق الغير ولو كان صاحب الحق كافرا.
إن الأموال عندهم كالأعراض صنوان صانوها كما يصونون أعراضهم فما أعظم دين الله وما أجل هؤلاء الأناسي، حق أن يكون لهم نصيب وفير مما يخترع في العالم ليكون لهم جزء وفير من التبرعات ونشر الإسلام فلا بد من إلقاء نظرة إيجابية إلى العالم الإسلامي ليقوم من عثرته ويحسن الظن في إخوانه ليستطيع التعاون معهم ومشاركة أموالهم وصنع الاقتصاد الإسلامي المبني على الإخوة والكرامة والطرق المحللة شرعا، لذلك لا غرو أن تجد الإسلام قد وضع قوانين صارمة من أجل تحسين التعاون بين المسلمين ووثوق العلاقة بينهم فنهى عن الغيبة وهي ذكرك أخاك في غيبته بما يكره، قال تعالى:« يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)[الحجرات/12]، بدأ النداء بخطاب الإيمان وهو شرف وأي شرف أن ينادوا بخطاب الإيمان الذي شرفهم الله أن يكونوا مؤمنين فنهاهم عن كثير من الظن لأنه فساد في الطبع وعمى في البصيرة ودليل على خواء القلوب ونتانتها، وذكرهم أن بعض الظن إثم ليجتنبوا كثيره ولا يقتربوا منه لئلا يقعوا في الحرام والحقد والبغضاء ثم نهاهم عن الغيبة وهي شر الأمم ما تسلل إلى أمة إلا أصابها الوهن وسوء المعيشة والضيق والكرب أيعقل أن نبني مجتمعا متعاونا أصحابه يخون بعضهم بعضا ويكيد للآخر ويغار منه ويتكلم بما يليق في غيبته أما تنسى يا عبدالله أن من تتكلم عليه هو أخوك؟! أما تعلم أنك تنافقه حين تغتابه لأنك تقابله بوجه بشوش؟! هلا وجهت النصح والإحسان إليه؟! أما كان الأجدر لك أن تأخذ بيده لا أن تشهر به؟
لذلك شبه الله تعالى هذه الغيبة بمشهد ينأى الإنسان أن يتخيله أو يحاول تصوره وهو أكل لحم أخيك الميت، منظر مؤثر مقزز تفر منه النفوس وتكره مشاهدته فضلا عن الولوج فيه؛ فإذا كان المؤمن يتقزز من هذه الصورة فكيف له أن يفعلها ويقارفها ليل نهار ألا يدل ذلك على بعد المؤمن عن خالقه ورضاه بالدونية والخسة إن كان يغتاب ليل نهار؟! ثم أمرهم بالتقوى ليستقيموا على منهج الله ولا يشذوا في شيء مما أمر أو نهى فذلك حرز لهم من الوقوع في الزلل والريبة، ثم ذكرهم بإخوتهم وأنهم متساوون في الإيمان لا ينبغي أن يفاخر البعض بنسبه أو ماله فلا كرامة إلا بالتقوى، قال تعالى:« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)»[الحجرات/13.


