عبدالله محمد عبدالله -
عندما يرى الإنسان مناظر الجثث الآدمية معروضة على الشاشات المرئية في فلسطين والعراق، وقد تناثرت الأعضاء وتبعثرت الأشلاء، وتهشمت الجماجم، ورويت الأرض بالدماء، وتبقى الجثث حينا كما تترك موتى الحيوانات في العراء، ومما يدمي القلب أكثر وأكثر جرّ الجثث على الأرض باستخفاف وإهانة واستهزاء.
إن هذه المناظر تجعل الألم يسري في كيان المشاهد مسرى الكهرباء في الأسلاك أو النار في الهشيم، فتولد الحرة والحزن، فتضغط على الجرح الغائر في كرامة المسلم، فيزداد مع ذلك لهيب الشعور بقلة الحيلة، وانعدام المروءة واحتضار الأخوة. ولكن هذه المناظر – في الوقت نفسه – تشفي غليل العدو في حين أنها تفقده إنسانيته وتجرده من كل خلق يدعيه.
فيا لخسة الإنسان حين يتنكر لإنسانيته، وينسى مكانة بشريته، ويتصرف في الحياة كأنه حيوان اعجم لم تصنعه يد الخالق الباري، المصور في احسن تقويم، ولم يقل له حين ينحرف: «يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك؟»
ومن هؤلاء الذين يهينون كرامة الميت، ويسخرون من جثة إنسان لا يستطيع الاحتجاج أو الدفاع فقد مات؟ انهم الذين يزعمون انهم أهل الحضارة والمدنية والتقدم وأنهم رواد عصر النور والتقدم، وحماة الديمقراطية والحرية في العالم، إلا ساء ما يزعمون، وليتهم عرفوا الإسلام العظيم الذي يتهمونه بأنه دين الإرهاب، وفقهوا تعاليمه التي يريدون من أهل الإسلام أن يقلعوا عنها، واستلهموا مبادئه التي يعملون جاهدين على محوها من المدارس والجامعات الإسلامية، فلو كانوا على علم بهذا لأدركوا أن القرآن الكريم يعلم الناس جميعا أنهم أسرة واحدة، تنتهي الى ارب واحد وأم واحدة، فهو الذي يقول: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبير».
وليت هؤلاء عرفوا هدى المبعوث رحمة للعالمين الذي يقول: «أيها الناس ان ربكم واحد، وأن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، أن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت»؟
إن هذا الدين الحنيف بتعاليمه ومبادئه يعطي جسم الإنسان كرامة وأي كرامة حين يقول رسوله المبعوث للعالمين: «الإنسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه».
عزيزي: القارئ: لا تعجب مما يفعله اليهود في جثث شهداء فلسطين!! ولا مما يفعله حلفاء الشر في جثث المناضلين الشهداء في بلاد الرافدين!! فهؤلاء لا يعرفون للجثث قدسية، ولا يحترمون جلال الموت ولا هيبته، فأين هؤلاء من هدي الإسلام، الذي علم الإنسان كيف يكون مهذبا ومؤدبا مع الآدميين بصرف النظر عن ملته وجنسيته ولونه وانتماءاته! وكيف يتفطر عند الموت، ويقشعر بدنه وتخشع جوارحه عند ذكره! فقد روي جابر بن عبدالله قال: مرت جنازة فقام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم – وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله، أنها يهودية، فقال: «إن الموت فزع، إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها» أي بصرف النظر عن ملتها. وفي رواية أخرى أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية، فمرت بهما جنازة فقاما لها، فقيل لهما: إنما هو من أهل الذمة «أي ليس مسلما» فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم – مروا عليه بجنازة فقام لها، فقيل له: انه يهودي، فقال: «أليست نفساً»؟ ولقد تجلت روعة الإسلام عندما جاز للمسلم أن يغسل الميت الكافر القريب له، أو غير القريب إذا لم يوجد من أقاربه من يغسله، وأن يتبع جنازة قريبه الكافر، وأن يدفن غير المسلم، ولقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم – انه إذا رأى ميتا أمر بدفنه، بلا إهانة أو تحقير، لا يسأل عنه: مؤمنا كان أو كافرا، وعقب غزوة بدر أمر الرسول بجمع القتلى من المشركين الذين حاربوه ودفنهم في القليب، لعدم وجود مقبرة تسعهم، ثم وقف عندهم وجعل يناديهم بأسمائهم ويقول: «هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» فقيل له: كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئا».
وحتى عظام الميت من غير المسلمين الذي يعيش بين المسلمين ثم يموت لها احترامها وصيانتها، لأن له ذمة وعهد عند المسلمين بحكم المواطنة والمعاشرة، ولذلك يقول الإمام بن عابدين: «عظم الذمي محترم، فلا يكسر إذا وجد في قبره، لأنه لما حرم إيذاؤه في حياته لذمته، وجبت صيانة عظمه عند الكسر بعد موته».
وتتجلى حضارة الإسلام ومدنيته في نهيه الشديد للمسلمين عن التمثيل بجثة ميت أو حي، سواء أكان الحي أو الميت إنسانا أم حيوانا، وكان كل خليفة يوصي المجاهدين بأن يحذروا الحذر كله من التمثيل بأحد، لأن الخلق صنعه الله المبدع جل جلاله، فتشويهها يُعد تطاولا على صنع الله العظيم، ولقد كان احد المشركين يسب الرسول سباً شديداً في كلامه وخطبه. وأسر المسلمون هذا المشرك في غزوة بدر، وأشير على الرسول أن ينزع بعض أسنانه حتى لا يستطيع الخطابة الآثمة ضده، فرفض الرسول ذلك وقال: «لا أمثل به، فيمثل الله تعالى بي وإن كنت نبيا».
ولقد ضمن الإسلام حسن المعاملة في القول والعمل والتصرف من المسلم لأهل الأديان السماوية الأخرى، وحسبنا أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة».
عزيزي القارئ: هذه هي الحضارة الحقة، وهذه هي المدينة الإسلامية، التي أرسى قواعدها خالق البشر، ولذلك فهي لا تستعمل حسب الهوى كلا. فلا يستطيع مسلم أن يخرج عنها، مهما فعل العدو من منكرات أو ارتكب من حماقات، فلا يمكن أن نمثل بجثث موتاهم أو نهينها أو نستهزئ بها، فصغائر الأطفال لا تصرف خيار الرجال عن مكارم الأخلاق.


