راشد بن ناصر المشيفري -
لقد اختلف الفقهاء في وجوبها على الحدث، ومن يدفعها، والذي يظهر من خلال الاطلاع على أمهات كتب الفقهاء كبيان الشرع للكندي، وسلك الدرر للشيخ خلفان بن جميل السيابي، والمبسوط للسرخسي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأبي السعود الدسوقي، واللمعة الدمشقية لمحمد العاملي، وغيرها الكثير هو وجوب الدية على الصبي، وأن الذي يدفعها هي العاقلة، وقد علل عبدالقادر عودة في كتابه «التشريع الجنائي» هذا الرأي بأن القاعدة الأصلية في الشريعة الإسلامية كما يقول: «إن الدماء والأموال معصومة غير مباحة، وأن الأعذار الشرعية لا تنافي هذه العصمة، أي أن الأعذار لا تهدر الضمان – في الديات -، ولا تسقطه ولو أسقطت العقوبة». ووجه هذا الرأي: هو اعتبار عمد الصبي خطأ، حتى ولو قتل عامداً وأن الدية واجبة على الصبي، وتتحملها العاقلة أيضاً، وقبل بيان أدلة القائلين بالوجوب سنذكر ما ذكره النووي، من صفات أو شروط العاقلة «روضة الطالبين»، ليتمكن القارئ من تصورها وهي: التكليف، فلا يعقل صبي ولا معتوه، والذكورة فلا تعقل امرأة ولا خنثى، واتفاق الدين، فلا يعقل مسلم عن ذمي، ولا ذمي عن مسلم، والحرية، فلا يعقل مكاتب، وأن يكون غنياً أو متوسطاً لا فقيراً معدماً….» فدية القتل الخطأ يتحملها الأقارب من الأب من أجل النصرة ومساعدة القاتل الخطأ، لكن هذا المعنى حاصل تحقيقه فيما سبق من الأزمنة، أما اليوم فيرى بعض الكتاب ضرورة مراجعة معنى العاقلة، وجواز شمولها للمجتمع ككل. وذلك مثلاً كقطع جزء بسيط جداً من رواتب الموظفين من قبل الحكومة، فتنوب عن المجتمع في القتل الخطأ. ويرى سماحة الشيخ أحمد الخليلي عندما سألته عن إمكانية توسيع معنى العاقلة في عصرنا فأجاب قائلاً: «إن العاقلة لا تحصر في العصبة بل تشمل كل العشيرة». فتوى بتاريخ: 24/4/2007م.هذا وقد استدل أصحاب هذا الرأي بما روي عن قضاء علي كرّم الله وجهه «أن ستة غلمة ذهبوا يسبحون فغرق أحدهم فشهد ثلاثة على اثنين أنهم أغرقاه، وشهد اثنان على ثلاثة أنهم غرّقوه، فقضى على الثلاثة خمس الدية وعلى الاثنين ثلاثة أخماس الدية».
وجه الدلالة: حكم الإمام علي على الذين أغرقوا الغلام أن يدفعوا الدية ولو لم يكن عليهم دية لما حكم عليهم الإمام علي. ورواية أخرى عن سيدنا علي كرّم الله وجهه وعمر رضي الله تعالى عنه: أن عمد الصبي وخطأه سواء ووجه الدلالة: أن علياً وعمر صرحا بأن جناية الصبي سواء كانت في العمد أو الخطأ سواء، وحكم المخطئ هي الدية وتتحملها عنه العاقلة، وذكر منصور بن يونس البهوتي في «كشاف القناع عن متن الإقناع» علة مساواة العمد والخطأ للحدث، لأن العمد لا يتحقق منه لعدم كمال قصده وعدم اعتباره، فوجب أن يكون كالمخطئ البالغ ولأنه لا يوجب القود عليه، وهناك رواية عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «لا قود إلا بالسيف والخطأ على العاقلة» فالقتل الخطأ تتحمله العاقلة مساعدة للجاني، ومن المعلوم أن عمد الصبي خطأ عند الجمهور كما سبق.


