حوار: فريضة إسلامية

عبدالله بن علي العليان -

يعتبر الحوار فريضة إسلامية وضرورة إنسانية، وإيجاد قنوات الحوار والتفاهم، في عصر قلصت التكنولوجيا كل عوامل البعد المادي والجغرافي، وأصبح العالم ـ كما يقال قرية كونية ـ مخترقة كل الحدود والسدود، ومن هنا لا بد من الاتصال مع الآخر، وطرح ما يعوق الحوار ونقاط الاختلاف على بساط البحث والمناقشة، ونحن كمسلمين لا نخاف من الحوار؛ لأنه بحق سلاح ديننا العظيم في رسالته الخالدة للإنسانية جمعاء. (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة وبالموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 125. فلماذا نتذرع بأحكام وتوقعات ليست ناجزة ومتوافقة مع ضرورة الحوار، ودوره، وتأثيره مع الآخر؟. ألم يواجه الأنبياء الصد، والاضطهاد والمكابرة والطغيان؟ نعم.

واجهوا كل ذلك. لكن هل يئسوا من الحوار مع المختلفين والمخالفين والطغاة؟ لا.بل استمروا معهم في الحوار، والنصح، والتوجيه بالحكمة والموعظة الحسنة، والمنطق والبرهان، لأن ذلك دعوة ربانية، وتوجيه إلهي لاتخاذ الحوار طريقاً ومنهجاً مع المختلفين والمخالفين في الرأي والعقيدة والمصالح وغيرها: (اذهبا إلى فرعون أنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) طه 43 ـ 44.

إذن فالحوار مع الآخر ضرورة ملحة، ولذلك يجب ألا نرفضه وفق مسوغات وتبريرات ليست دقيقة، وأحياناً مخالفة لمنظور الإسلام للحوار، لا سيما أن دعوة الحوار بين الحضارات جاءت من الطرف الإسلامي دعوة عالمية من خلال سعي الحضارات لبناء علاقاتها على الحوار والتبادل الثقافي والتفاعل الحضاري، وتقوم على ثقافة الحوار والتسامح، وبديلاً لمقولات الصدام والصراع . إلا أننا مع المنهجية السليمة في الحوار، والسعي الجدي لقيام حوار بين الحضارات والثقافات مبني على الرغبة الصادقة في التفاهم والتعاون. فالحوار بين الحضارات لا يمكن أن يؤدي وظيفته التاريخية في إثراء التجارب الإنسانية، وفي الاستفادة من الخبرات المتنوعة للشعوب إلا إذا تمت ممارسته في إطار منهج سليم، وأهم عناصر هذا المنهج أمور ثلاثة:

أولها: الاتفاق على أن الغرض من وراء الحوار ليس في إقناع الآخرين بالتخلي عن انتمائهم الحضاري وخصوصيتهم الثقافية، والدخول في حضارة أخرى مهما كان لها في لحظة تاريخية معينة من تفوق وانتشار.

وثانيها: التسليم بأن التعددية الثقافية جزء من نظام الكون وسنة من السنن التي أودعها الله في مجتمعات البشر، وأن السعي للقفز عليها والابتعاد عنها عن طريق استبعاد الآخرين أو تهميش دورهم، إنما هو حركة ضد التاريخ وضد السنن الثابتة في الكون وفي مجتمعات الناس.

وثالث هذه المبادئ: التوجه إلى البحث عن المشترك الجامع بين الحضارات المعاصرة، ذلك أنه إذا كان الحرص الشديد على تثبيت الانتماء الثقافي، والدفاع المستميت عن (الخصوصيات الثقافية) أموراً مفهومة ومشروعة تماماً في زمن الغزوات والحروب ومحاولات الاستئصال الثقافي، فإن طبيعة المرحلة تتطلب توجيه الجهد نحو القواسم المشتركة والمصالح المشتركة سعياً لوضع برنامج عمل موحد يتحقق به الاعتماد المتبادل، والمشاركة المتساوية لأبناء الحضارات المختلفة.

ولذلك فإن حوار الحضارات والثقافات يتطلب إلى جانب المبادئ المذكورة آنفاً استعدادَ كل حضارة لفهم الأخرى في إطار من القبول بالتمايز والاختلاف، وتجنب الأحكام المسبقة التي لا تسهم في حوار جاد ومتفاعل مع القضايا المطروحة للنقاش، وتحاشي الصور النمطية المشحونة بالكراهية والتوجس من الآخر، «وفي الوقت نفسه فإن الحوار بين الحضارات يسهم في تثبيت السمة الرئيسية للثقافات الإنسانية وهي استجابتها للتطور والاغتناء بالتفاعل فيما بينها، كما يسهم الحوار في (عقلنة) النزاعات التي قد تنشأ أثناء تثبيت الهويات الثقافية لهذه الحضارات.

إن من فوائد الحوار وغاياته إبطال المناخات المفعمة بالمخاوف ومشاعر العنصرية والكراهية وتوفير المناخ الملائم لتبادل الوافد النافع من الثقافة والعلم والخبرة. والإشكالية أن العولمة المتعددة الجوانب، وما تحمله من تفوق تكنولوجي ربما تجعل الآخر ينكص على الحوار العادل على اعتبار أن الحضارة الغالبة الآن هي الحضارة الغربية، والمغلوب يجب أن يرضخ ويستجيب لشروط الغالب، وهذه النظرة المنغلقة لو تحققت وحاولت الحضارة الغربية أن تستجيب لها سوف تشكل ضربة قاصمة للحوار بين الحضارات، وهناك بوادر سلبية بدأت تظهر للعولمة في جوانب شروطها المجحفة والنظرة الأحادية للآخر، فإذا ما فرضت العولمة كبديل «للتنوع الثقافي وعملت على اكتساح الهوية الحضارية للشعوب ذلك أن الاتجاهات والمعايير المقبلة سائرة في اتجاه التأثير السلبي على الهوية والسيادة معاً، وأول ما يثير الانتباه عند التأمل في موقف الغرب من هويات الشعوب هو جمعه بين متناقضين، فهو من جهة شديد الاعتزاز بهويته حريص عليها، وهو من جهة ثانية رافض للاعتراف بالهويات الوطنية لشعوب العالم، لإحساسه بأن العولمة من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من الوعي بالخصوصيات الثقافية والحضارية.