مليكة السيابية -
كل شيء في رمضان يذكرك بالقرآن، فهو يحتوي القرآن بطريقة عجيبة، وتلاوتك للقرآن في رمضان تختلف عن باقي شهور السنة، فيفتح الله لك بين السطور من المعاني ما خفي عليك..
وتجد قلبك يتلذذ بالتلاوة، ولسانك يطرب لها، وأذنك تخشع لسماع الآيات كيف لا وقد جاء شفاء لما في الصدور..
ويحسن بك ألا يكون همك آخر السورة، وآخر الختمة، لأن ذلك يشغلك عن الفهم، ويبعدك عن التأمل في مضامين السورة، فالقرآن لم ينزل لهذا،
بل نزل ليُتبَّع..
ولن تستطيع اتباعه إلا إذا فهمته.. «وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا الله لعلكم ترحمون».. وقال تعالى: «واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم».
منهج الصحابة
وهكذا كان منهج الصحابة في التعامل مع القرآن، فانظر لأبي طلحة فقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه: كان أبو طلحة أكثر أنصار المدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء – أرض بالمدينة – وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) آل عمران: 92 قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بخ ذاك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
وانظر كيف تعامل الصحابة مع تحريم الخمر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما كان لنا خمر غير فضيخكم الذي تسمونه الفضيخ، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانًا وفلانًا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا وما ذاك؟ قال حُرِّمت الخمر قالوا أهرق هذه القلال يا أنس، قال فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل.
وقد ذكر القرضاوي في كتابه كيف نتعامل مع القرآن: (أحدث القرآن في العرب ثورة في العقل والتصور، وثورة في الوجدان والشعور، وثورة في العمل والسلوك، لأنهم فتحوا له عقولهم وقلوبهم، كانت أجهزة الاستقبال عندهم سليمة مهيأة لحسن التلقي وكان الإرسال على أفضل ما يكون)..
وكان لطريقتهم الخاصة في التلقي أكبر الأثر عليهم فكان أحدهم إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزها حتى يعمل بها.. وقد ذكر ابن مسعود قال ابن مسعود أنزل القرآن عليهم ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا..
وقال معاذ بن جبل: اعملوا ما شئتم أن تعملوا فلن يأجركم الله بعلمكم حتى تعملوا..
إن حسن فهمهم لكيفية التعامل مع القرآن هي التي بوأتهم ليكونوا أشرف الأمم، ولذا تجد أسعد لحظات الواحد منهم هي لحظة وفاته فيردد غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه..
فالغايات العظيمة تحتاج إلى قوة إرادة، وحسن ضبط للنفس التي تكبح تجاه نزواتها وهواها ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾، لكن من يعرف أن الله قد أعد له ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لابد أن يستقيم حاله، ويتبع وحي السماء بنفس راضية مرضية، «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون».
العمل بالقرآن
إننا في أمس الحاجة اليوم لجيل يعملُ بما في القرآن، رغم أن عدد الحفّاظ اليوم كبير جدًا، ونسخ القرآن تظهر اليوم بطريقة راقية جدًا، والاهتمام بالإعجاز العلمي والبياني في القرن بلغ أفاقًا بعيدة، وعدد القراء الذين يصدحون بأعذب الأصوات في ازدياد مستمر….
لكن هذا كله لا يغني المؤمن في التعامل مع القرآن، لأن القرآن ما نزل لهذا، بل جاء ليتبع ويعمل بما فيه، وقد ورد عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ملاحظة دقيقة لهذا الجانب حين قال (إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به).
وقد ورد في الأثر (كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون حفظ القرآن ولا يرزقون العمل به).
إن الفرق كبير والبون شاسع بين من يقرأ الحقائق ويعرفها ومن يؤمن بها ويعيش بها ليصل إلى حلاوة الإيمان، فمهما قرأنا القرآن وبالرغم أن تلاوته عبادة، إلا أننا لن نصل إلى الغاية الحقيقة وهي العمل بما جاء في القرآن.
ولتصل وتفوز ينبغي لك أن تعمل، لأن العلم والفهم هما باعثُ العمل في نفسك، ثم أن العمل يترك في نفسك حالاً شعوريًا يدفعك لعمل غيره، فلا شيء يقود إلى الإنجاز كالإنجاز نفسه.


