فوزي بن يونس بن حديد -
abuadam-ajim4135@hotmail.com -
التسول خلق ذميم، نهى عنه الإسلام وشدد على مخاطره، وأمر الناس ألا يعينوا المتسولين الذين اتخذوا التسول مهنة يسيرة لكسب المال، وجاء النهي تعبيرا عن عزة المسلم الذي يأنف أن يتجول بين الآخرين طالبا المساعدة وهو في أتم صحة وعافية، وربما اتخذها البعض مهنة للحصول على مال دون عناء، وهو ما يحرمه الإسلام قطعا ويعده أكلا لأموال الناس بالباطل، كما أن مساعدة مثل هؤلاء الذي يتقمّصون صورة المريض غير القادر على مواجهة الحياة يعدّ جريمة في حدّ ذاتها لأنه أعان شخصا لا يستحق والمؤمن مطالب بأن يبحث عن المسكين والمحتاج الثقة الذي لا يسأل الناس إلحافا، كما أنه مطالب بأن يتبع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وأن يتخذ لنفسه منهجا في الحياة، وطريقا واضحا يسير عليه في الدنيا حتى لا يضل ولا يشقى.
ولئن كان الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة لم يردّ سائلا جاءه يطلب معونة إلا أن العصر الذي عاش فيه هذا النبي الكريم كان العربي فضلا عن المسلم يأبى أن تشوه صورته أمام الآخرين ويستهزئون من الشخص الذي يتسول وهو يتمتع بكامل صحته بل يطلبون منه أن يذهب للعمل، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الرجل الذي يراه جالسا في المسجد يدعو الله ليلا ونهارا أن يرزقه فسأله يا رجل من ينفق عليك فردّ الرجل قائلا: أخي، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن أخاك أفضل منك، يا رجل قم واعمل مما كسبت يداك فإن السماء لا تمطر ذهبا، كان ذلك إيحاء منه وتصريحا أن العمل عبادة وأن الكسب الحلال هو ما يسعى إليه المؤمن في كل مكان ولا ينتظر من يساعده اليوم ويقطع المؤونة عليه غدا، بل زد على ذلك تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة أراد أن يوصي بجميع ماله وله بنت واحدة فقط أمره بأن لا يوصي إلا بالثلث، والثلث كثير كما قال، أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، فالنبي الكريم كان حريصا على أن يكون أصحابه أقوياء يعملون طلبا للرزق الحلال، وكان في أحد المواقف يصافح رجلا خشن اليدين وأراد الرجل أن يسحب يده بسرعة خوفا من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام مسك بيديه الشريفيتن يد الرجل وأعلنها صراحة، «هذه يد يحبها الله ورسوله» فما أعظم سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان التسول في الأيام العادية منهيا عنه، فإنه في رمضان أشدّ، لأن المتسول الذي يريد الحصول على المال سيستعطف قلوب الناس وينفذ إليها من باب التكرم بالصدقات ومسارعة المسلمين إلى بذل الخير وفعل الخيرات ويعتبرونه من الصدقات في سبيل الله، وهو بذلك يتحايل على الناس وعلى الله ولا يبالي بهذه المعاصي في شهر الصيام ويستمر في تحايله رغم أن الله تبارك وتعالى قد فتح باب التوبة للرجوع والإنابة، والناس تجاه هذا الفعل صنفان، صنف تستثيره العواطف فيعطي من ماله ولا ينظر إلى العقبى بدعوى اعمل الخير وانسه ولا تردّ سائلا، وصنف يتحرى ويتثبت ويريد أن يكون ماله قد وضع في موضعه الصحيح وهو الأفضل والأحسن.
في هذه الأثناء، نرى في الشهر الكريم من لا يتورع عن مثل هذا الفعل الذي نهى عنه ديننا الحنيف، ويقبل على الناس ويخترع قصص مآسيه، ويصر على أنه مسكين، وأنه محتاج لمال، فإذا كان فعلا يحتاج إلى مال ليعيش به فلم لا يعمل والعمل موجود ومكفول، لم يتجه إلى ذلّ السؤال يعطيه هذا ويمنع عنه ذاك.


