وحدة انسانية: الأخلاق أساس الود والاحترام

علي العلياني -

عندما يصف الحق تبارك وتعالى نبيه بقوله (( وإنك لعلى خلق عظيم )) فإنه سبحانه وتعالى ينبهنا الى قضية ان الأخلاق هي أساس الحياة الصحيحة القائمة على الود والاحترام المتبادل وأنها أولوية في حياة المسلم بما أن قدوته المصطفى عليه الصلاة والسلام بل مرتبة عظيمة في هذا الجانب عن طريق منهجيته في واقع المجتمع ومن خلال ما وصلنا عن طريق السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام نجد من الواقف الكثير الذي يمكن للقارئ أن يتبين من خلالها عظمة هذا النبي وكمال خلقه وسعة صدره ورحابة نفسه وعلو شأنه وتميزه عن غيره من ناحية ضبطه لنفسه في أشد المواقف حساسية وأقواها تأثيرا وأعمقها أثرا ، فها هو أعرابي يقبل على النبي صلى الله عليه وسلم ليمسكه بتلابيب ثوبه ويشده بقوة حتى أثر الثوب في عنق النبي عليه السلام ويقول يا محمد أعطني من مال الله لا من مالك ولا مال أمك ولا مال أبيك . وهم الصحابة أن يضربوه ، أن يزجروه ، أن يبعدوه لكي لا يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام لكنه صلى الله عليه وسلم قال لهم : خلو بيني وبينه ، فأخذه الى بيته وأعطاه وأكرمه فقال الأعرابي لقد أتيت وأنت أبغض الناس الي وأنت الان أحب الناس إلي فقال عليه الصلاة والسلام إن أصحابي شيء في قلوبهم مما فعلت معي فاذهب وقل لهم كما قلت لي ..هذه هي أخلاق المصطفى مع شدة الأعرابي وفظاظته وغلظته وسلاطة لسانه إلا أنه لم يقل له شيئا بل أكرمه وأعطاه فكانت النتيجة كما عرفنا محبة بعد بغض ومودة بعد كره لذلك جاء قوله عليه الصلاة والسلام (( إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا )) ليبين المكانة الرفيعة لصحاب الخلق الحسن وذلك لما للخلق من أثر على تجانس النفوس وجمع القلوب ونزع غل الصدور وقوله عليه السلام (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) نجد أن مكارم الاخلاق هي أحد الأهداف الرئيسية لبعثة المصطفى عليه الصلاة والسلام ذلك لأن الأخلاق الحسنة طريق للوحدة ولم الشمل والحب الصافي الخالص من كل شوائب المصالح الخاصة وبالتالي تشيع بين أفراد المجتمع حالة من التناغم التي تتصف بأنا سجية لكل من طلبها وسعى لها فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلم ولئن كانت الاخلاق هي خيار العظماء والأفاضل وممن زكت نفسه وعلت همته وارتفع شأنه فإننا لابد أن نسعى الى كسب هذه الميزة الجميلة اللازمة لمرضاة الله في الدنيا والآخرة ، يقول عليه الصلاة والسلام (( إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم )) فالأخلاق الحسنة التي يربى عليها الأفاضل تكون سببا في حب الناس بعضهم لبعض وأيضا حبهم لهذا الدين الذي أرسى دعائم المبادئ الأخلاقية بسبب مكانتها في تماسك بنيانه وحفظ أركانه وذلك من خلال إخراج ما في الصدور من غل بالابتسامة الجميلة العذبة وانبساط الوجه الذي يبعث على السعادة والكلمة الطيبة التي تخرج من القلب لتصل الى القلب بل وتسكنه لتحوله الى واحة غناء يتظلل في أفيائها الجميع ويخرج منه نباتا طيبا قوامه الصدق والاخلاص والتآخي الذي يفضي الى وحدة القلوب التي بالتالي توحد الأجساد لذلك كان تشبيه المصطفى عليه السلامة لعلاقة المؤمن بالمؤمن (( المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) وقال عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أيضا (( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا )) هذه نتيجة الأخلاق …كما نشاهد من خلال واقعنا العملي حينما نجد صاحب الخلق الرفيع الجميع يحترمه ويشهد له بصلاح سريرته وسخاوة نفسه ، هذا لأن الفطرة في النفس البشرية جبلت على حب من أحسن إليها سواء أكان بمال أو باحترام وحب متبادل وكما قال الشاعر :

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان

والأخلاق في المجتمع الاسلامي هي سجية تجري في دماء أبنائه بعد أن علموا أن الاخلاق هي طريق موصل الى القلوب دون عناء أو تعب خاصة أنه ما يخرج من القلب يصل إلى القلب.

ان عكس الأخلاق الحسنة يعني بالضرورة أن تكون النفوس التي تتعامل به مهزوزة يتخطفها القلق ويقتلها الخوف ويستبد بها الضجر فتجد عياذا بالله من يحب الكذب أو الفجور أو الاستهزاء بالاخرين أو الذي يمتهن التعالي والغرور والتكبر على الناس لا يقر لهم قرار ولا ترتاح لهم نفس فأنفاسهم صاخبة وصدورهم ضيقة وآمالهم قاصرة على رؤية الآخرين أقل منهم شأنا في جميع الأمور الدنيوية وبالتالي تمرض القلوب وتتعفن النفوسمما يؤدي في النهاية الى عواقب وخيمة أقلها القطيعة وبث روح الفرقة والانقسام وإيجاد مساحة واسعة للعداوات والضغينة والأحقاد مما يدخل المجتمع في دوامة عنيفة تسبب له الدوران في حلقة مفرغة.

إن واقع أخلاقنا اليوم لينبئنا عن فصول خطيرة تدور أحداثها بين شبابنا اليوم فإننا نجد وللأسف عبارات السب والشم والكلام غير اللائق منتشر وبكثرة وأحيانا تحصل القطيعة وتظهر العداوة بسبب التمادي في المراء أو التساهل في قول فاحش بذيء وفوق هذا وذاك تجد من يذكي نار العداوات بزيادة الجرعات التحريضية ومحاولة أخذ الجانب على انه فكاهي ومقالب وفهلوة وهو في حد ذاته استهزاء واستخفاف بمشاعر الآخرين واستفزازهم وجرهم الى معارك كلامية وردود سلبية ومهاترات لا تسمن ولا تغني من جوع بل وتجد أحيانا من يتعمد إيراد ألفاظ تخدش حياء الآخرين وتمس شخصياتهم من باب المزاح وهذا من الخطورة بمكان ، فعرض المرء يجب أن يصان من أي تلاعب يدخله في متاهات هو في غنى عنها لذلك جاء قوله تعالى في محكم كتابه (( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان )) فالسخرية هنا والاستهزاء منافيتان للطباع السليمة والفطرة الصافية الخالية من كل الشوائب التي يمكن أن تساهم في إخراجها عن الاطار الذي رسمه لها الخالق عز وجل بأن تبقى في دائرة (( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )) .

وقول الشاعر :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فكل الشعوب التي تختار لها الأخلاق عنوان تبقى قوية موحدة متماسكة وكل الامم التي تبتعد عن الأخلاق فإنها تبشر بزوال ولو بعد حين ، اذا لم ينصف المظلوم وكذب الصادق وصدق الكاذب وبرئ المتهم وجرم البريء ، واذا احتقر الانسان العفيف وعظم الفاسق الفاجر ، هنا قل على الدنيا السلام ، لأن الأخلاق صمام امان من أجل حفظ الحقوق وصيانة الأعراض وجبر عثرات الكرام ومن اجل نفوس تؤمن بمبدأ ان الخير كل الخير أن تعامل الناس بالحسنى وتلق الآخرين بوجه بشوش وقلب يتمنى لهم كل الخير وان يزول عنهم كل شر ، كم في عالمنا اليوم من أسلم ودخل في دين الله بسبب أخلاق الخيار وصدق الأبرار حيث نجد ان الطرف الاخر تأسره الابتسامة وينبهر بالكلمة الطيبة وتأسر قلبه المعاملة الطيبة لذلك جاء قول المصطفى عليه السلام (( الدين المعاملة )) ليوضح لنا ان الدين أساسه المعاملة الطيبة والقول الحسن من حيث تعامل الانسان مع أهل بيته او جيرانه أو أهل قريته وسوقه أو عشيرته من هنا يعرف إيمان المرء وصدقه وإخلاصه (( فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ))

هكذا نجد أن للأخلاق دورا مهما في توحيد الصف ولم الشمل وإيجاد سعادة حقيقية تملأ قلوب أفراد هذا المجتمع من حيث خلو صدورهم من كل رجس مهلك .