الموارد البشرية واستحقاقات التنمية الوطنية

د. رجب بن علي العويسي -

Rajab.2020@hotmail.com -

يأتي تناولنا لهذا الموضوع للقناعة بدور المورد البشري الوطني في الإيفاء باستحقاقات التنمية الوطنية وإدارة برامجها التطويرية، واستشراف ما يمكن أن تحدثه المشاريع الوطنية العملاقة القادمة من تحول في المنظومة الوطنية برمتها إذ إن العمل في مينائي صحار والدقم وبدء التشغيل الفعلي في إدارة الحوض الجاف بالأخير منهما والتطوير الحاصل في إنشاء منظومة نقل داخلي متطور من خلال المطارات وسكة الحديد المقترحة وغيرها من المشاريع اللوجستية الداعمة، والتشغيل الجزئي الذي تم مؤخرا لمطار الدقم إنما يعلن عن ميلاد مرحلة تحول جديدة في اقتصاد السلطنة يعزز من دورها كموقع استراتيجي ومحطة استثمارية في إدارة متطلبات المرحلة الاقتصادية والتطور النوعي الذي تشهده المنطقة بشكل عام وما تتطلبه من قراءة اقتصادية تنموية شاملة ترسم لمناخات جديدة لتوطين صناعات ثقيلة عملاقة تحتضنها الأرض العمانية في ظل دخول استثمارات دولية جاذبة مشجعة ومؤهلة لنمو اقتصادي سريع على أوسع نطاق.

هذا الأمر يؤكد الحاجة إلى قراءة موازية لمنظومة الموارد البشرية واستراتجيات العمل والتشغيل والتوظيف ومستوى تمثيل الشباب في سوق العمل الوطني وتحول في مفهوم الاستثمار وتعدد مداخله في المورد البشري الوطني بحيث يراعي المتغيرات الحاصلة ويستجيب للمؤثرات المتوقعة بكل مرونة في إطار توظيفها الإيجابي لخدمة التنمية والنهوض باقتصادياتها، وبالتالي إعادة النظر في مستوى التأهيل والتدريب والتثقيف وإيجاد منظومة عليا لإدارة الموارد البشرية الوطنية ترسم المستقبل المنظور في تعامل الكفاءة الوطنية مع تسارع السوق العالمي وانعكاسه على الحالة الوطنية ونوعية القدرات ومستوى الجاهزية والاستعداد الذي يمتلكه الشباب العماني في القيام بمهمته في إدارة تلك المشاريع وتنفيذها وإحداث تغيير في نمط الانتاج وطبيعة المنتج بشكل يعزز من كفاءة الاقتصاد الوطني وقدرته على المنافسة العالمية.

هذا التحول يستدعي في المقابل قراءة فاحصة للعمل المؤسسي القادر على صنع هذا الانجاز ورفد سوق العمل بهذه الكفاءات، باعتماد سياسات تنموية موحدة وأجندة عمل محددة وتكاملية في الخطط والبرامج تمهد الطريق لمواءمة فعلية تضمن تحقيقها لكل الشروط واعترافها بقدرتها على التعامل مع كل المتغيرات والتحديات من أجل استيعاب تلك المخرجات في إطار تمكين الكفاءة وتعزيز المهارة، وبالتالي أن يأخذ الحديث عن نوعية الجهد المبذول من المؤسسات أبعادا مختلفة تأتي في مقدمتها نوعية البرامج والتخصصات ومدى الحاجة إليها، وانتهاء بالجودة والتحسين المستمر وفق المواصفات، وإلزام المؤسسات التعليمية عند رسم سياساتها بأن تعاين وضع السوق لتتلمس احتياجاته المتغيرة من التخصصات الحديثة، مع التأكيد على منحى الشمولية والاتساع في جانب المهارة والكفاية المطلوبة لاتساع متطلبات السوق ذاته وتنوعها وتعدد مهاراته بحيث لا ينبغي أن ينظر إلى المهن والمهارة في إطارها الوقتي بحجة أن السوق لم يتوفر لديه الوعي بعد بمدى الحاجة إليها، ومعنى ذلك أن تمهد سياسات المورد البشري لمرحلة تحول أيضا في نوعية المهن التي يفترض أن يطرقها سوق العمل ذاته ويوجد لها تأسيسا وطنيا في أنشطة الانتاج، وما يتبع ذلك من إجراء المراجعات المشتركة وتوسيع مجالات البحث وآفاقه وتأسيس مسارات واضحة للتقييم والتشخيص والرصد المهني المعتمد على المعايير والمؤشرات فيما يتعلق بالتخصصات المطلوبة على مدى ثلاثة عقود قادمة، في ظل ما يشار إليه من افتقار السوق ذاته للعديد من الصناعات الثقيلة وبعض الصناعات التحويلية الخفيفة التي باتت تشكل مرتكزا لإدارة تلك المشاريع وتلبية احتياجاتها التشغيلية بفاعلية.

وعليه فإن الجهود الوطنية القائمة على منح المورد البشري مناخات أوسع لإقامة مشاريعه الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة والدعم المادي والمرونة في التشريعات والأنظمة يمكن أن تشكل تحولا مهما في قدرة المورد البشري الوطني على تلبية استحقاقات التنمية الوطنية، مع ما يتطلبه ذلك من تعميق مفهوم المسؤولية وتعزيز القناعة المهنية للموارد البشرية الشابة في الاستفادة من الفرص المتاحة لها على أكبر قدر مع تبني نهج تقييم دورية، وبالتالي إيجاد منطلقات وطنية مقننة تعتمد عليها المؤسسات في سياساتها بشأن قبول الكادر الوطني وتشغيله من خلال استراتيجية وطنية لمنظومة الموارد البشرية بالسلطنة تراعي طبيعة المدخلات وفق أنظمة ولوائح وتشريعات مرنة تتسم بالعدالة والمعيارية، وتضمن توفير الامتيازات القادرة على استدامة توفر العنصر البشري الوطني وتوفيره واستمرارية وجوده في كل المواقع.