يقول الحق سبحانه وتعالى: “واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن” والنشوز: هو العصيان بغير حق، وهنا يلجأ الزوج إلى وعظها وتخويفها عقاب الله في عصيانه بغير حق فإن الله تعالى قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته حتى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها). وقد دلت التجارب على أن المرأة المسلمة يؤثر فيها الوعظ بمثل هذا ما لم تكن قد عقدت العزم القاطع على ترك الزوج؛ لأن المشكلة تكون بينهما أكبر من أن يجدي فيها الوعظ، أما إذا كان للزوجة ملاحظات حول طريقة ممارسته لهذا الحق من عنف أو نحوه، فعليها عندئذ أن تدلي بوجهة نظرها، ويمكن التفاهم بينهما والتقارب الذي يصحح مسار علاقتهما ويحملها إلى الأفضل.
“واهجروهن في المضاجع” قال ابن عباس: (الهجران: ألا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، وفي رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها) وهي أعلى من الوعظ في إظهارغضبه منها وإعلان قدرته على الاستغناء عنها إن استمرت في عصيانها دون حق، أما إذا كانت لها وجهة مشروعة فلتفصح عنها عندئذ.
فإن لم يجد معها هذا أيضا ولم تظهر الزوجة سببا مشروعا لعصيانها فقد قال تعالى: {واضربوهن} فحينئذ يجرب الزوج وسيلة أخيرة تدل وقائع الحياة على أنها قد تجدي بالنسبة لبعض الزوجات: وهي الضرب الذي اشترط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه أن يكون (غير مبرح) يفسره الفقهاء بأنه هو الذي (لا يكسر عضوا ولا يؤثر فيها شيئا) أي لا يترك أثرا ماديا. على أن لا يكون هذا الضرب على الوجه، وعلى أن لا يقترن به تقبيح الزوج لزوجته شكلا، لأن ذلك يكون أشد عليها من الضرب، وربما أحدث في النفس كسرا لا يجبر بعد ذلك.
ويذكر الدكتور محمد بلتاجي في كتابه “مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة” أن قضية ضرب الزوج زوجته في الإسلام دقيقة جدا، وهي مما يساء فهمه وتطبيقه من كثير من الناس لجهلهم بحقائق التشريع ودقائقه، فللرجل حق في هذه الحالة البالغة الندرة أن يضرب زوجه هذا الضرب غير المبرح، لكن من تضرب من النساء عندئذ؟ إنها نوع قليل من النساء سليطة اللسان، مجاهرة بعصيان زوجها ومعاندته، حريصة على إهانته ومخالفة أمره غير مكرمة لنفسها أو لما بينهما من عشرة، ولا تكون مثل هذه المرأة عادة من البيوت الكريمة الأصيلة؛ لأن سليلة هذه البيوت تعرف من الوسائل ما يجعلها أكرم على نفسها وعلى غيرها من اتباع أسلوب الوقاحة والسلاطة والعصيان، وحين ترى أن العشرة قد استحالت بينها وبين زوجها فإنها تتخذ من الوسائل ما تسعى به في تحقيق رغبتها دون اللجوء إلى وسائل تحمل زوجها على ضربها. وذلك كله على فرض أن الزوج مؤد لها جميع حقوقها غير ظالم لها في شيء مما يأمرها به، أما من تلجئ الزوج إلى ضربها على أمل إصلاحها وحملها على الطاعة – لأن المسلم الحق لا يضرب عندئذ إلا على هذا الأمل – فإن تكوينها النفسي والثقافي كثيرا ما يكون في صورة يؤدي الضرب الخفيف معها إلى الإصلاح والحمل على الطاعة، بل إن في الحياة تجارب تدل على أن أعداداً من النسوة – قد تكون نادرة لكنها موجودة – تأخذ الضرب عندئذ – أو التهديد به – على محمل أنه تعبير عن شيء من صفات الرجولة في زوجها، وقد يقترن بإظهار الغضب منه شيء من الرضا النفسي الخفي، وتلك حالات نادرة لكنها غير منعدمة، لكن الضرب المباح أيضا في الشريعة إنما يباح في مثل هذه الحالات، ولا يباح في كل امرأة يقينا. ويؤكد سعيد العيلي في كتابه “من لآلئ السنة” أن الدليل القاطع على ذلك أنه لم يؤثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو عن كبار الصحابة رضوان الله عليهم، أو عن أبنائهم وبناتهم تتابعهم في ذلك، بل روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسل أنه قال: (لا تضربوا إماء الله) “يعني النساء”، فجاء عمر إليه فقال: ذثرت النساء على أزواجهن (يعني: نشزن)، فرخص في ضرب الناشزات، فأطاف بآل رسول الله -صلى الله عليه وسل نساء كثيرات يشكون أزواجهن، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم). وأيضا فإن الله تعالى قد جعل التي تحمل زوجها على ضربها في نهاية من هن في مقابل (الصالحات القانتات الحافظات بالغيب من الزوجات). وقد ورد في الحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن الذي يبيح للزوج ضرب زوجته هو أن توطئ فراشه أحداً يكرهه، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في حجة الوداع: “واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف”.
وقد عقب الله تعالى على الآية السابقة التي أباحت الضرب بقوله: “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا” [النساء 35] وذلك عقب نهي الله الأزواج عن البغي على زوجاتهن إذا أدت الزوجة حقوقه المشروعة وأطاعته، وتحذير الأزواج من نتيجة هذا البغي “فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا”. ثم ذكر الله تعالى أنه في حالة ازدياد النزاع بينهما وخوف الشقاق فليلجأ إلى التحكيم. قال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق.
وبهذا كله تبين أن حق القوامة والطاعة للزوج على زوجته ليس هو الاستبداد الظالم والتحكم الباطل، إنما هو حق الطاعة بالمعروف في حدود ما شرعه الله تعالى لكل منهما.
.. وبعد، فإننا نعلم علم اليقين أن الذين يريدون مساواة كاملة مطلقة بين الرجل والمرأة في كل شيء لن ترضيهم أية صياغة أو استدلال في قضية قوامة الرجل على المرأة ووجوب طاعتها له؛ لأنهم قد ولوا وجوههم شطر نظم أخرى (غير الإسلام). فانغلقت قلوبهم تجاهه وتجاه قيمه، وأصبح قائلهم يقول: إن المرأة المعاصرة لن تجد حلولا لمشكلاتها إلا في حضارة الغرب الحديث، أو يقول: إن علينا أن نتجه إلى أوروبا لنأخذ عنها كل حضارتها بحلوها ومرها، بما يكره منها وما يعاب.


