ثقافة الحساب الذاتي قبل الحساب القانوني

م. أحمد حمدان الدرمكي -

Ahm.151@hotmail.com -

“ ثقافة الحساب الذاتي أو ما يسمى حساب الضمير هي: المحاسبة الحسية للنفس باستحسان كل ما هو حسنٌ واستقباح كل ما هو قبيح والمتمثل في الرادع الحسي للضمير الإنساني الحي المدرك لحقيقة ما يقوم به من فعل “

لذا متى سوف نرتقي إلى ثقافة الحساب والعقاب الذاتي..؟! هذه الثقافة الراقية والمتمثلة في حساب النفس الإنسانية ومعاتبتها ولومها على أي عمل ينافي ضوابط العقل والقانون ويخل بالقواعد والأنظمة التي تسير عليها البشرية في حياتها وتحفظ بها حقوقها وواجباتها وتصونها من التلف والضياع بأيدي العابثين المفسدين.

وأين نحن يا ترى من هذه الدرجه من الوعي الثقافي والروحي..؟!! التي سوف نحاسب ونعاتب من خلالها أنفسنا عند الأقدام على أي عمل مشين أو غير نزيه سواء كان هذا العمل إنسانيا أو إداريا أو ماليا أو سياسيا، وذلك من خلال عتاب الضمير بأحكام العقل والمنطق قبل الوصول الى العقاب والحساب القانوني الملموس، لذلك إذا أصبح العقاب القانوني هو الرادع الأول لكل رذيلة، فما قيمة وازع الروح والعقل والضمير أيها الإنسان؟!! إذن لم يعد هناك فرق بينك وبين المخلوقات التي لا تمتلك أي رادع روحي أو عقلاني. عجباً أين أضحت هذه الثقافة القرآنية المحمدية عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية..؟!! هذه المجتمعات التي باتت تئن تحت وطأة الفساد الاجتماعي والمالي والإداري الذي فاق كل المقياس، وما عادت تبالي لا بضمير ولا إنسانية، حتى أصبح هذا الفساد كالنار في الهشيم، لدرجة أنه تخطى العقاب والحساب القانوني ورمى به عرض الحائط. لذلك كيف سوف ترتقي هذه المجتمعات التي أصبحت لا تبالي لا بعقل ولا ضمير ولا مسؤولية تجاه الوطن والإنسانية..؟!

ومتى سوف تصل هذه المجتمعات ثقافة عتاب النفس والضمير من دون الخوف من القانون المادي لكي تردع نفسها عن أي عمل أو تصرف يسيء إليها قبل أن يسيء إلى أوطأنها؟! ولماذا لا نكون نحن الأسبق إلى مثل هذه القيم والأخلاق والمبادئ والسلوكيات الثقافية الراقية لكي نرتقي بأمتنا؟! مع أن هذه الأمة هي المحطة الأولى والحاضن الأساسي لكل هذه الأخلاق والثقافات الراقية والتي تتمثل في كتاب الله وسنة نبيه.

في حين نرى أن هناك أمما فاقتنا تقدما ورقيا في جميع جوانب الحياة، وقد أخذت من تلك الأخلاق والثقافات الراقية جسورا تسير عليها لتعبر بها فجاج هذه الحياة ومنحدراتها. ولم يأت هذا التقدم والتطور من فراغ، وإنما جاء عندما فاقت الضمائر والنفوس لأفراد تلك المجتمعات وقد أدركت إدراكاً تاما بأهمية الرقي بأوطانها من العزلة العلمية والتخلف في جميع جوانب الحياة إلى الرقي والتطور، وما كان ليحدث ذلك لولا أنها حكمت لغة الضمير البشري قبل كل شيء، وقد أخذت تشق طريقها نحو البناء والتطور بضمائر لا تعرف أي معنى من معاني الفساد، حتى نشأ عندهم الوعي الحقيقي بأهمية الوطن والتضحية من أجله.


فيا ترى أين سيجد الفساد طريقه إلى هذه المجتمعات بين هذه الأسلاك الشائكة من الضمائر الحية المحبة لأوطانها المحتقرة لأي مصلحة أو غاية فوق مصلحة الوطن. ولكن الأمر المؤسف عندما نعود إلى واقعنا العربي حيث لا تجد ان لمثل هذه الضمائر الحية الغلبة الكاسحة، حيث تجد أن مصلحة الفرد خير من مصلحة الوطن بأضعاف مضاعفة عند البعض للأسف.


فكيف لنا أن نرتقي….!؟ إذا كان العقاب القانوني قد تقهقر أمام تعدد الفساد والمفسدين ولم يبق لهذا القانون روح يتنفس بها في بعض الحالات. فماذا تنتظر أيها العاقل من مجتمعات هذا شأنها..! وقد انتزعت بلا رحمة أرواح قوانينها وقد صيرت بعضها جثثا هامدة لا حياة لها، في بعض الحالات.

أخيراً، ليس من العجب أن تشاهد تطور وتقدم تلك المجتمعات الراقية التي أخذت بثقافة العتاب والحساب الروحي المتمثل في العقل والضمير فوق كل حساب أو عقاب مادي، لكونها تستند على ضمائر لا تعترف مطلقاً بالمصلحة الفردية دون الجماعية، وفي الجانب الآخر صورة من صور التخلف والرجعية لمجتمعات لم تؤمن بشكل واسع على الاقل برادع الضمير الإنساني ودوره في رقي الفرد ثم المجتمع. لذا هل لنا أن نأخذ من ثقافة العتاب والحساب الروحي في كل عمل نقوم به في حياتنا بغض النظر عن الجانب القانوني وضوابطه لكي نستطيع التطور والتقدم والرقي بهذه الأمة إلى عنان السماء.