وحدة انسانية: الوحدة والأنانية

علي بن سعيد العلياني -

عندما كنت أبحث عن معنى الأنانية وجدت تعريفا أعجبني جدا لأنه يوضح الصورة الحقيقية للشخص الأناني ، يقول : الأنانية بالنسبة لي مقسمة حسب حروفها :

** فالألف : تعني أني أحب نفسي لدرجة أني لا أرى أحدا سواها أو غيرها

** النون : نفسي لا تشبع أبدا مهما أعطيتها وترغب في المزيد

** الياء : يكرهني الجميع وينفرون مني

** التاء : تؤنبني نفسي بالرغم أنها هي المخطئة

والأنانية هي السعي المتواصل لتحقيق المصلحة الذاتية …من هنا يتبين معنى الأنانية وأثرها على العلاقات الاجتماعية والنزعة الفردية التي يتسم بها من يحملها ، بمعنى انه مستعد بالتضحية بكل من حوله ليصل إلى أهدافه الشخصية ، مستعد أن يقاطع ويخاصم ويحاج بكل قوة من أجل أن يثبت أن الحق له وحده وأن لا حقوق للآخرين ، الأنانية مرض نفسي ناتج عن الغرور والكبر وحب الذات ونكران ذوات الآخرين ، ولو كانت هذه الآفة تقتصر على نفس صاحبها ولا تمتد نيرانها إلى الآخرين لكانت لا تعني شيئا في الواقع المعاش لكن الحقيقة أنها مرتبطة بالجانب الآخر لكي تكتمل فصولها بل إنها قائمة على الطرف الآخر بالدرجة الأولى ، فالأناني يخاصم من حوله من اجل أن يأخذ ما في أيديهم لإشباع نهمه وهو يريد الحب والاحترام والتقدير والتبجيل دون مقابل يرده للطرف الآخر ، فكما أنه يحب أن يأخذ هذه المعاني الجميلة تجده يرى الطرف الآخر غير مؤهل لهذه الصفات لأنها حكر عليه بينما الآخرون هم رعاع وتبع ويجب أن يكونوا تحت لوائه ..الأنانية تعني أريد كل شيء مقابل أن تسلموا لي الزمام لأعطيكم صورة الرجل الخارق القادر على إسعادكم فقط بطلته البهية وصورته الجميلة ، يجب أن تستمدوا سعادتكم من وجودي بينكم كبطل متوج على حساب أموالكم ومشاعركم وكرامتكم ، يجب أن تكونوا طوع بناني ورهن إشارتي ولي منكم السمع والطاعة ، هنا الخطر الأكبر الكامن وراء مرض الأنانية حيث أن الناس لهم كرامة لا يساومون عليها ولهم حقوق لا يتنازلون عنها بسهولة ولهم شخصيات لا يرضون أن تندمج في شخصية غيرهم وهكذا تنشأ النزاعات وتتأصل الخلافات ، فالأناني يصر وهو الشخص الذي يتميز بنوع من النرجسية على أن تكون له الغلبة والانتصار والتفوق وطول اليد والناس من حوله لا يرضخون لمطالبه غير المعقولة ، هنا تنفجر الأوضاع ويحتدم الصراع وتتصلب المواقف وتتأصل العداوات ويصر كل على موقفه وهنا تضيع العلاقات وتذهب المودة وتنزع الرحمة لتطل علينا فتنة عمياء تأتي على الأخضر واليابس ، لقد علمنا الإسلام مبدأ الإيثار الذي يقوم على إعطاء الآخرين حقوقهم بل ومحاولة كبح جماح النفس في حبها الأخذ فقط بالعطاء وقت الحاجة عندما يقول الحق تبارك وتعالى (( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )) ..إن مقاومة شهوة النفس في حبها الاستيلاء والاستحواذ وفي إمساكها عن الأخذ هو في حد ذاته إنجاز للمؤمن يستحق عليه العطاء الجزيل في الدنيا والآخرة ..

طبعا الأنانية لا تقف عند نوع واحد من أنواع الشح ، فالأنانية تقتصر كل شيء عل صاحبها فهو الأحق بالمال وهو الأحق بالتقدير والاحترام وهو الأحق بالسمع والطاعة لكننا عند قضية المال نجد أن القرآن يتوعد كل من تصور له نفسه أن المال الذي بين يديه من حقه وحده فقط دون التفكير في حقوق الآخرين من فقراء ومساكين ومحتاجين (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون )) ..إن ما نراه اليوم من صراعات وحروب واختلافات طائفية وعرقية ومذهبية مرده إلى الأنا التي تكون حاضرة لتنشر الخراب والدمار ، فأكثر الحروب مردها حب السيطرة على الموارد والقضاء على الخصوم من أجل أن تخلو الساحة ، فحروب اليوم مصدرها الرأسمالية العالمية التي تراهن على وجود أسواق تصرف فيها منتجاتها الصناعية وبالمقابل تأخذ السلع الخام بأسعار زهيدة وهنا ليست هناك أي مشكلة فالإبادة والدمار والخراب وذلك لضرورة الوصول إلى ما هو أكبر عند أنانيّ العالم الجشعين وحتى الخلافات والانقسامات الداخلية فيما بين التجمعات الصغيرة مردها إلى تغلغل شهوة حب النفوذ والسيطرة والإحساس بنشوة الجاه والتعالي والغرور.

والمشكلة هنا أن البصيرة قد انطمست مع أول مغامرة بنكران ذوات الآخرين مع أول إطلالة لنفس الأناني على ساحة الغرور التي تخاطبه بأنك أنت الملك المتوج وأنت صاحب الحظوة والتقدير فواصل مسيرك ولا تلتفت لأي أحد وهنا يتخدر صاحبنا ويصبح الشعور بالإنسانية عنده معدوما وهذا سر الدماء التي تسفك دون أية رحمة والدمار الذي يحصل دون أية مبالاة ، من هنا نستطيع أن نتبين خطر الأنانية على الوحدة الإنسانية ، فالأنانية مستعدة أن تحشد وأن تجمع وأن تجلب بخيلها ورجلها من أجل إرضاء غرورها وإشباع جشعها وهيهات أن ترضى بعد ذلك أن تشبع فالنفس راغبة إذا رغبتها .. هنا نجد الجوع الذي هو مشكلة عالمية بامتياز ونجد العري ، نجد عشرات الملايين من المشردين ، نجد ثروات العالم مكدسة في أيدي فئة قليلة بينما الباقون يسبحون في بحر الحاجة والعوز ، إن ثروات العالم ضخمة جدا وتزيد يوما بعد يوم لكن نجد بالمقابل زيادة عدد الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ، نجد من دمرت منازلهم وشردوا هنا وهناك ، نجد المليارات الذين يعيشون على الكفاف ، إنها مأساة الأنانية ، إنه حب الاستحواذ وفوق هذا وذاك نجد الصراعات قد فرقت الأمم وشتت الأبرياء وأقامت صراعات تستمر أمدا طويلا …إن العالم أجمع يعاني من ويلات الأنانية ويعيش انقسامات حادة في ظلها وفوق ذلك تسلب حقوق الفقراء ويلغى من الوجود حق العيش الكريم لأكثر من نصف سكان الكرة الأرضية ، ليس موضوعنا الكلام عن ثروات العالم لكننا نريد أن نبين الحقيقة من خلال الواقع ، فأفقر شعوب العالم في القارة الأفريقية يعيشون فوق ثروات هائلة من شتى أنواع المعادن والأحجار الكريمة والنفط والمياه ذات الكميات الهائلة والأراضي الخصبة والطبيعة الخلابة ومع ذلك تنهب خيراتهم وتقوم بينهم حروب وصراعات دامية من أجل عيون الأنانيين الذين يستخدمون البسطاء وسيلة وصول إلى إرضاء غرورهم وإشباع نهمهم وغيرها من بقاع العالم الساخنة والتي هجرت شعوبها ونهبت ثرواتها كل هذا بسبب الأنا القاتلة ..

هنا نستطيع القول أن الأنانية عدو الوحدة الأول بل هي العدو الأساسي القائم على حب الاستحواذ والتسلط والغرور والعنجهية والتعالي والكبر …ولننظر إلى ثروات العالم النامي الطبيعية إلى أين تذهب وكم يدفع لها وكم دولة تستطيع أن تتصرف في مواردها دون تدخل أرباب الجشع العالمي ، لقد أضحت الأنانية تحظى بكل التقدير والاحترام من ناحية وجوه الاحتكار والشركات العابرة للقارات والاستحواذ على الفروع الأصغر بحيث تصبح الأسعار والكمية والجودة في أيدي قلة قليلة تملي ما تريده على الباقين ..إن التخفي وراء حرية السوق أوجد لنا ما نشاهده اليوم من غلاء فاحش في الأسعار ضحيته الطبقة الكادحة من الفقراء والمساكين ..إننا على أعتاب مجاعة عالمية بامتياز بسبب أن عادة الأخذ دون العطاء قد استحكمت في القلوب وتغلغلت في النفوس ..إن ما تطالعنا به مجلات حساب الثروات والأموال ومراكز المليارديرات وزيادة عدد المليونيرات ينبئنا أن اقتصاد العالم قد أصبح في أيدي فئة محدودة وفوق ذلك نجد من يسخر هذه السيطرة الاقتصادية في حرمان الشعوب المستضعفة والمغلوب على أمرها من حق لقمة العيش ..وهكذا ندرك خطورة الأنانية على العالم أجمع لأنها لا تحدها حدود ولا تربطها قيود وليس لها نهاية بل تمتد امتداد العالم من أقصاه إلى أقصاه ..