من لا يتمنى أن يتّبع الحكام المسلمون نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهج أصحابه رضوان الله عليهم في حكم بلادهم ، فقد باتت للمناصب سطوة تذهب عقل وقلب الراغبين فيها ، وأصبح المال العام مطمعاً للكثيرين وكأنه أصبح حقا مكتسبا مع السلطة على الرغم من أن القوانين المعاصرة تنص على المحافظة على الأموال العامة ، وتوفير الخدمات منها ، والحيلولة دون العبث بها ، ومع ذلك بقيت ثغرات عديدة واسعة يتسرب الفساد منها.
لهذا من أراد أن يتعظ فليذكر نهج خلفائنا في التعامل مع المال العام ومدى زهدهم وحرصهم على أن يحصل الرعية على مثل ما يحصلون عليه بدءاً بالطعام.
وها هي قصة عمر بن الخطاب عندما كان أميراً للمؤمنين ، وذات يوم تلقى من أحد ولاته هدية من الحلوى ، ولا تكاد توضع بين يديه حتى سأل من جاء بها : ما هذا؟ قال : حلوى يصنعها أهل آذربيجان ، فذاقها عمر ، فوجد لها مذاقاً شهياً فعاد يسأل من جاء بها .. أو كل المسلمين هناك يطعمون هذا؟ قال الرجل : لا .. وإنما طعام الخاصة .. فأعاد عمر إغلاق الوعاء جيداً وقال للرجل : أين بعيرك ؟ خذ حملك هذا وارجع به لعتبة ، وقل له : عمر يقول لك : اتق الله ، واشبع المسلمين مما تشبع منه .. !!
ويؤكد فايز موسى أبو شيخه في كتابه “رجال ومواقف” أن تلك الأمانة في التعامل مع أموال المسلمين من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، مثل رائع يبين أن قدر يقين المسلم بوعد الله تعالى يكون ورعه وتعففه عن الدنيا ، حتى أنه يترك كثيراً من المباحات فضلاً عن الشبهات خوفاً من أن تعوقه عن هدفه ومقصده وما تعلقت به نفسه . وكان عمر رضى الله عنه مثلاً أعلى للزهاد الذين أرادتهم الدنيا فاستعلوا عنها وأعرضوا عنها .
وأضاف رواية أخرى عنه عن عطاء بن أبي رباح قال : حدثتنى فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه فإذا هو في مصلاه يده على خده سائلة دموعه فقلت : يا أمير المؤمنين ، أشيء حدث ؟ قال : يا فاطمة ، إني تقلدت أمر أمة محمد فتفكرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع العاري ، والمظلوم والمقهور ، والغريب والمأسور ، والكبير ، وذي العيال في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألنى عنهم ، وأن خصمهم دونهم فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته فرحمت نفسي فبكيت .
وذكر عن الكاتب محمد علي قطب في” مواقف وعبر من حياة التابعين “أنه كان دخله في كل سنة _ قبل أن يلي الخلافة – أربعين ألف دينار ، فترك ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة ، وكان حاصله في خلافته ثلاثمائة درهم.
وبينما نجد الملوك والأمراء والرؤساء وصلوا إلى قمة الترف والتفاخر بحالهم ، وصل حال عمر بن عبد العزيز في عهد خلافته ما رواه عنه أبو حازم الأعرج سلمة بن دينار –رضي الله عنه – قال : قدمت على أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز ، وهو بخناصرة من أعمال حلب ، وكانت قد تقدمت بي السن ، وبعد بيني وبين لقائه العهد ، فوجدته في صدر البيت ، غير أنى لم أعرفه لتغير حاله عما عهدته عليه يوم كان واليا على المدينة ، فرحب بي وقال : ادن مني يا أبا حازم فلما دنوت منه قلت : ألست أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ؟! قال : بلى ، فقلت : ما الذي حل بك ؟! ألم يكن ثوبك نقياً ، ووجهك رضياً ، وطعامك شهياً ، ومركبك وطياً ؟! ففال : بلى . قلت : فما الذي غير ما بك بعد ما أن غدوت أميراً للمؤمنين تملك الأصفر والأبيض ؟ قال : وما الذي تغير بي يا أبا حازم ؟ قلت : جسمك نحل ، وجلدك الذي اخشوشن ، ووجهك الذي اصفر ، وعيناك اللتان خبا ومضهما ! فبكى ، وقال : فكيف لو رأيتني في قبري بعد ثلاث وقد سالت حدقتاي على وجنتي ، وتفسخ بطني وتشقق ، وانطلق الدود يرتع في بدنى ؟ إنك لو رأيتني آنذاك – يا أبا حازم –لكنت أشد إنكاراً لي من يومك هذا.
ثم رفع بصره إلي وقال : أما تذكر حديثاً كنت حدثتني به في المدينة يا أبا حازم ؟ فقلت : لقد حدثتك بأحاديث كثيرة يا أمير المؤمنين ، فأيهما تقصد ؟ فقال : إنه حديث لأبي هريرة ! فقلت : نعم أذكره يا أمير المؤمنين . فقال : أعده ، فإني أريد أن أسمعه منك ثانية . فقلت : سمعت أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “ إن بين أيديكم عقبة كؤوداً “ شاقة صمود “ مضرسة لن يجوزها إلا كل ضامر مهزول “ فبكى عمر بكاءً شديدًا ، خشيت معه أن تنشق مرارته ، ثم كفف دموعه وألتفت إلي ، وقال : فهل تلومني يا أبا حازم إذا أنا أهزلت نفسي لتلك العقبة رجاء أن أنجو منها وما أظنني بناج .
ودعا الكاتب ولاة العصر الحالي بأن يعلموا أنهم مسؤولون بين يدي الله عن رعيتهم ، وأن الأمر جد ولا هزل فيه ، لذلك عليهم أن يعدوا للمسألة ألف حساب وحساب ، وسهر الليالي في مصلحة الأمة ، لأن ما كان عليه عمر بن عبد العزيز في سبيل الحفاظ على المال العام من الهدر والتبذير والسرقات، عبر آلاف من المبررات والأعذار.
كما يرى الدكتور محمد البهي فيما ذكره عن “الإسلام في حل مشكلات المجتمع المعاصر” أن للوالي الأخذ من بيت المال وفي مباشرة الخدمات العامة للدولة ، أشبه بالأوصياء على أموال اليتامى في وجوب اتباع الطريقة المثلى في أداء ما يجب كنهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، بغير إسراف أو تقتير ، أي مع وجوب عدم الإسراف في النفقة على الرعاية لما يباشرون ، أو تعفف الغني عن الأخذ منه في مقابل الرعاية ، والأخذ منه لصاحب الحاجة على قدر العمل الذي يؤدى لرعايته.


