غزة بدون أوهام

محمد صابرين -

إلا أن الذي لم يتم حسابه بدقة هو أن من السهل التورط في حرب ولكن من الصعب الخروج منها، وبخاصة اذا كانت الحسابات كلها مبنية علي إحراج مصر واليقين بأن الشارع سوف يدفع للتورط في الحرب.

إلا أن المصريين تنبهوا، والجميع يطالب حماس الآن بأن تثبت جدوى خيارها، وان تبرهن الأطراف الاقليمية الاخرى على نفوذها لدى إسرائيل والولايات المتحدة، وأيضا أن تظهر قدرتها بالفعل لا القول على لجم إسرائيل.

إلا أن المثير فى الأمر أن واشنطن لم تتمكن من فرض وقف أطلاق النار بل تهدئة إنسانية كما أن وزير خارجية تركيا قال إن دور مصر حيوي وأساسي، وعلي النهج ذاته صارت بقية الدول التي تصورت أن المسألة نزهة، إلا أن الجميع بات يدرك الآن أن هذه المرة غير سابقاتها، وأن التهديد بات خطيرا لأن المستفيد الوحيد هو قوى التطرف والإرهاب من شاكله داعش وأخواتها. ترى ماذا يحمل المستقبل؟

إسرائيل في مواجهة «صورة النصر الوهمية»

لعل أول من يقف في الزاوية هو اليمين المتطرف ورئيس الوزراء الإسرائيلى نتانياهو، فقد كتب ديفيد غروسمان في صحيفة نيويورك تايمز يقول، ، أتمنى أن يقر الجناح اليمينى بالحدود التي تقيد استخدام القوة. وبحقيقة أنه حتى الدولة القوية مثل دولتنا لا يمكنها التصرف ببساطة كما تشاء، وأنه لا توجد انتصارات قاطعة في العصر الذي نعيش فيه، ويمكننا أن نرى الحقيقة بسهولة فقط من خلال، ، صورة النصر الوهمية، التي تقضي بأنه في حالة الحرب يوجد خاسرون فقط. لا يوجد حل عسكري لمعاناة الشعب الفلسطيني، وطالما أنه لا يوجد ما يخفف من الشعور بالاختناق في غزة، لن نكون نحن أيضا في إسرائيل قادرين على التنفس دون صعوبة، وأغلب الظن أن الحرب الدائرة الآن سوف تجبر الجميع على إعادة التفكير فى حدود القوة.

ويعترف غروسمان بذلك بقوله: ويدرك الإسرائيليون هذا الأمر لعدة عقود، كما أننا رفضنا أن نفهم ذلك حقا لعقود من الزمن، ولكن ربما نفهم ذلك هذه المرة بصورة أفضل قليلا، وربما ننظر الى حقيقة ما نعيشه من زاوية مختلفة قليلا. بالتأكيد. انه فهم مؤلم ويشكل تهديدا، ولكنه من الممكن أن يمثل نقطة البداية. وقد يجعل ذلك من الواضح بالنسبة للإسرائيليين مدى أهمية السلام مع الفلسطينيين، وكيف يمكن أن يشكل ذلك أساسا للسلام مع الدول العربية الأخرى، وقد ينظر الى مفهوم السلام الذي يجري الاستخفاف به في الوقت الراهن، باعتباره الخيار الأفضل والأكثر أمانا والمتاح لإسرائيل.و يراهن غروسمان على انه رغم التصريحات العدائية الى الهجوم العنيف من جانب سفاحي اليمين الإسرائيلي تزداد رصانة ورجاحة عقل الشريان الرئيسي للرأي العام الإسرائيلي. ويبقى مطروحا مشروع متى يفيق الرأي العام في إسرائيل على حقيقة أن لا مفر من السلام العادل على أساس الأرض مقابل السلام.

حماس في مواجهة واقع جديد


تبدو الظروف مختلفة كليا هذه المرة على حماس.فهي تواجه اتهاما وعتابا خلاصته أنها أهملت مصلحة المدنيين الفلسطينيين العاجلة في وقف القتال..فأطالت أمد الحرب، واستغلت إسرائيل الفرصة لإنزال ضربات أكثر قسوة ووحشية بهؤلاء المدنيين أما الذين يعتبون فيقولون لماذا لم تنشئ المخابئ للمدنيين ونحن نعرف وحشية الاحتلال الإسرائيلي.ويذهب غسان الإمام في الشرق الأوسط إلى أن»مطلب حماس في رفع الحصار عن غزة فورا مع التهدئة ووقف القتال مطلب عادل، لكن مبدأ»التهدئة» مع إسرائيل الذي ابتكرته،الجهادية الحماسية» لا يرقى الى شرعية معاهدات الصلح والسلام، في توفير السيادة، والاستقلال، والأمن المتبادل للمدنيين على الجانبيين.إلا أن الحرب دائرة الآن، بل في مراحلها الأولى، ولا تستطيع حماس أن تعلن قبولها لوقف إطلاق النار إلا بالشروط التي سبق وأن أعلنتها من قبل لأن معنى ذلك خسارة الحرب كلها.. والأخطر مواجهة السؤال الصعب ما هي حصيلة الدماء والخراب، وما الذي اختلف في المحصلة النهائية؟.ويرى عبد المنعم سعيد أن حماس في مأزق بعدما قررت أنها انتصرت في الحرب منذ إطلاقها الصاروخ الأول، وبالتأكيد بعد أن حصلت على أسير إسرائيلي. وأغلب الظن أن حماس لن يكون في استطاعتها ان تعود الأمور كما كانت في غزة بعد تدميرها، وإذا أجبرت على التواري خلف السلطة الفلسطينية تكون قد حررت شهادة أخرى بنكسة مدوية لمحور الإخوان، والأخطر شهادة ميلاد لتنظيمات أكثر تطرفا من عينة داعش وأخواتها. وربما لحظتها ستقول إسرائيل إنها تحارب الإرهاب.

أمريكا وأوروبا وإيران وتركيا


أغلب الظن أن مصداقية واشنطن باتت في أدنى درجاتها كما أن قدرة أدارة أوباما باتت هي الأخرى محل شك عميق. ففي الماضي كانت واشنطن متهمة بأنها قوة عظمى متواطئة، والآن قوة عظمى عاجزة ومتواطئة باتت كالآخرين تصدر بيانات شجب وإدانة، ولم تعد هذه الإدارة تؤخذ على محمل الجد. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لأوروبا. إلا أن ما يجب أن تحذر منه أوروبا هو أن أعراض أمراض الشرق الأوسط باتت تهددها بقوة، ولم يعد يكفي الإدعاء بأن أوروبا تقدم مساعدات سخية للفلسطينيين. وأغلب الظن أن القضايا العربية باتت جزءا من السياسة الأوروبية، ولن يكون بمقدور بريطانيا أو فرنسا ولا ألمانيا التواري خلف أي أعذار. فالإرهاب سيدق أبواب أوروبا من العائدين من سوريا والعراق، والذين روعتهم مناظر القتل الوحشية لقوات الاحتلال الإسرائيلي. أما تركيا وغيرها فقد تواريا خلف البيانات، وحاولا أن يكون لهم دور بدعم من أوباما لكن فشلا وأنكشفا، ولم تعد الصيغة التركية جذابة ولا تستطيع أن تخرج عن أجندة واشنطن. أما جبهة الممانعة فقد شغلتها أوضاعها فى سوريا والعراق ولبنان عن أي شيء آخر كما أن إيران مشغولة بصفقتها الكبرى مع واشنطن والغرب، وسلكوها سيتحدد وفق القرب أو البعد عن هذه الصفقة. وسنرى قريبا.

مصر طافئ الحرائق


لعل مصر هي الجهة الوحيدة التي لاتزال تتمسك بموقفها الذي تبلور على مدى السنين، وصاغته تجارب كثيرة ومعارك أكثر. ويمكن القول إن موقف مصر محكوم بعدة اعتبارات هي:1-لا أحد يمكنه المزايدة على الموقف المصري «قدمت مائة ألف شهيد والآلاف من المصاببن».فضلا عن ذلك لم ترتكب يوما جريمة قتل للفلسطينيين، بل الهم المصري دوما الحفاظ على الدم الفلسطيني.2- الحكومة المصرية تدرك أنها تحظى بالشعبية وأن هناك تفهما شعبيا لموقفها لأن هذا الموقف محكوم بحسابات العقل والمنطق والحفاظ على الأرواح الفلسطينية، وتدرك أن الشعارات قد تلهب حماس الشارع ولكنها لا تحرر الأوطان ولا تحفظ الأرواح.3-لا أحد يستطيع تجاوز مصر..بحكم الوزن والجغرافيا والخبرة وصدق النية. وهذا ما اعترف به موسى أبو مرزوق وجون كيرى وداوود أوغلو.4-مصر أكبر من أن تسعى الى تحقيق مكاسب رخيصة، فهي لا تبحث عن حل عقدتها بين الكبار، وليست محكومة بفصيل يبحث عن دور أو صفقة أو فرض وجوده بأي ثمن.بل هي دولة كبيرة لها تاريخ وتقاليد وخبرة طويلة بالصراع العربي الإسرائيلى.. وهذا يؤهلها أكثر من غيرها لمعرفة متى تحاور ومتى تناور ومتى تضغط.5- ان المطلوب هو وقف إطلاق النار ثم الجلوس للتفاوض.وهذا السيناريو الأقرب لأن يوفر الغطاء للتراجع والتفاهم بين الأطراف المتصارعة. لقد أعلنتها مصر صريحة أنها لن تتدخل والأمر متروك للطرفين، أي بوضوح لأ أحد سيجبر الطرف الفلسطيني على التمسك بوقف إطلاق النار ومواصلة القتال لو لم تعجبه الشروط أو بنود التفاوض.6-لا بد أن يسارع الجانب الفلسطينى ليقدم حقيقة موقفه بأنه الطرف المعتدى عليه ولا يترك إسرائيل لتقوم بدور الضحية.

…ويبقى أن هذه أزمة كبرى سوف تختبر الجميع، وتحتاج الكثير من الحكمة ومعالجة أصل القضية وهو الاحتلال. وبدون الأرض مقابل السلام سنظل ندور فى حلقات من القتل.