مدار: لا تنضح إناءك داخلي

داليا علي –

الآخرون واقع حقيقي لا يمكننا أن نقصيه عنا، يؤثرون فينا ونؤثر فيهم، لكن أحيانا يكون لهم أثر سلبي علينا يصيبوننا بالإحباط وبالملل.

إما أن ندرك سريعا اهميتهم في حياتنا ونضعهم في الخانة المناسبة لهم، أو نتحول دون أن ندري إلى مجرد جهاز ريموت في أيديهم يحركون مؤشراتنا ويوجهوننا مثلما أرادوا .

غالبا ما نولد انقياء من الداخل إلا أن نلتقي بمن يخدعنا ويجعل تلك المساحات البيضاء تتقلص بسبب غدرهم أو ظلمهم لنا، فتتبدل مفاهيمنا البريئة تدريجياً عن الحياة الزاهية الملامح التي طالما حلمنا بها، وتتقلص مساحات الثقة التي كنا نمنحها للآخرين.

آه كم تغيرنا وتلونا وتداخلت خطوطهم بخطوطنا، هؤلاء الذين لم يمنحونا حق الاستقلال والانفراد بجمالنا الداخلي طويلا، فتعاركوا معنا واصروا على تلويث دواخلنا وقصقصة براءتنا .

نستيقظ كثيرا لنفاجئ أن مشاعرنا تجاه الأشياء والمسميات قد تبدلت كثيرا، وعندما نبحث عن الأسباب نجد أن المعارك التي دخلنا فيها في ممرات الحياة قد اصقلتنا وبدلت الكثير من المفاهيم الداخلية لنا، وأننا ما عدنا نكترث كثيرا بأشيائنا الماضية وما عادت الأشياء التي كانت تحركنا في السابق قادرة على تحريكنا الآن.

نعم نحن ننضج ونتغير ونكبر لكن يجب ان ننتبه ليد الأحداث كيف تترك بصماتها في داخلنا. ليس عيبا ابدا أن ننضج وتتغير طريقة حكمنا على الأمور والأشياء ونصبح اكثر نضجا في تعاملنا مع الآخرين ونكون أكثر حذراً وأقل سذاجة بل وندرك أيضاً أن الجميع ليسوا ملائكة وانه متى وجدت الملائكة فلا مانع من وجود الشياطين أيضاً، لكن العيب هو أن نسمح للون الأسود أن يطغى بظلاله على كل المساحات البيضاء الجميلة بداخلنا.

من الخطأ أن نظل نراقب العالم بساكنيه من خلف منظار قاتم لا يرى إلا مساوئ التجربة التي آلمتنا ومضت إلى حال سبيلها. الخطأ أن ننظر لكل الذين سنلتقى بهم في المستقبل بنفس نظرتنا لمن أساءوا الينا، نظرة الشك والريبة والخوف .

إذا كنت تريد بالفعل أن تتأكد من انك تعلمت من تجاربك المؤلمة فلتخرج من كل تجربة أقوى من التجربة السابقة على اختلاف من تختلف معهم. فقدرتك على التعايش مع كل أصناف البشر تضيف لك مهما كانت قسوتهم معك أو صعوبة التعايش معهم، لأنك تتدرب تدريبا راقيا على التفاعل والتعايش مع كل أصناف البشر اختلافا معك .

ليس معنى انك الأكثر تألما أنك لن تنجح في التغيير، ربما كنت الأضعف لكنك ستكون اول الصف ليقتدى بك الأقوياء الذين يبحثون عن قدوة والجبناء الذين يبحثون عن قائد يقوي عزيمتهم .

تبدل وتغير – ليس من العيب – أبداً أن تتألم وتعاني من المشاكل التي تواجهك، لكن لا تترك خطوط الزمن تحفر ذلك داخلك دون أن تخرج بشيء يستحق أن نفخر بك من اجله.

أشعر كثيرا بالضعف من المصاعب التي تواجهني لكن إيماني أنني في كلتا الحالتين سأحيا يجعلني أفضل أن أخرج من التجربة ولو بقيمة أو خبرة تضيف لي حتى لو تغيرت أشياء كثيرة بداخلي كنت أظنها لن تتغير.

لا تجعل الذين يثيرون اشمئزازك وضيقك يفلحون في تغيير خريطة الخير الداخلية لديك، لا تكن مطية سهلة بالنسبة لهم فهذا في حد ذاته فوز يستحق أن يدون في تاريخك، كن ماهرا في ان تتعلم منهم ومن تجربتك معهم وأثبت للذين أساؤوا اليك انهم لن يتمكنوا من أن ينضحوا إناء الشر الخاص بهم بداخلك أبداً.