توازن إسلامي: الرحمة في الحرب

إذا كان الإسلام أباح الحرب كضرورة من الضرورات، فإنه يجعلها مقدرة بقدرها، فلا يقتل إلا من يقاتل فى المعركة، وأما من تجنب الحرب فلا يحل قتله أو التعرض له بحال. وحرم الإسلام كذلك قتل النساء والأطفال والمرضى والشيوخ والرهبان والعباد والأجراء. وحرم الإجهاز على الجريح، وتتبع الفار.

يقول الدكتور رمضان المحلاوي في كتابه «من أخلاق الإسلام»: من أدب الحرب في الإسلام أنه يوصي القائد بجيوشه خيرا كما حرم الإسلام قتل الصبيان والمرضى والشيوخ والنساء، ونهى عن هدم البيوت والمثلة وقتل الحيوان وإفساد الزروع والمياه وتلويث الآبار. قال تعالى:{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} سورة البقرة الآية 190، ومن الاعتداء محاربة من لا يحارب مثل أبناء المحاربين ونسائهم ومرضاهم وشيوخهم وعبادهم المتفرغين للعبادة وعلمائهم المتفرغين للعلم، وكيف لا يكون ذلك أليس هو رسول الرحمة؟ فالرحمة مشروعة في الإسلام في جميع الحالات فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن أوصاه وعهد إليه، ثم قال له: (يسر ولا تعسر وبشر ولا تنفر، وإنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب يسألونك ما مفتاح الجنة. فقل: (شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) مختصر سيرة ابن هشام .

وروى سليمان بن بريدة عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر قتل النساء والصبيان» متفق عليه.

وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعد أن انتصر المسلمون فى غزوة حنين بامرأة مقتولة والناس مزدحمون عليها، فقال: ما هذا؟ قالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد فقال: «أدرك خالدا فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا» سيرة ابن هشام.

فلا يجوز أن تتعدى الحرب إلى المدنيين الذين لا يشتركون فيها من شيوخ ونساء وعجزة وعباد منقطعين للعبادة، وعلماء منقطعين للعلم إلا إذا قاتلوا أو كان لهم في تدبير الحرب رأى ومكيدة، لأن القتال لمن يقاتلنا.

لقد التزم الصحابة بمبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم الرحمة في الحرب، فلقد وصى أبو بكر رضي الله عنه، أسامة حين بعثه على الشام فقال: (لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع (يريد الرهبان) فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له).

وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه ومن معه من الأجناد: «أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة من العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا كما سلط على بني إسرائيل – لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا، اسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم .

وعن معاملة الأسرى يقول السيد سابق في كتابه (فقه السنة) عامل الإسلام الأسرى معاملة إنسانية رحيمة (فهو يدعو إلى إكرامهم والإحسان إليهم، ويمدح الذين يبرونهم، ويثني عليهم الثناء الجميل، يقول الله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} سورة الدهر الآية 9.

ويروي أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(فكوا العاني [الأسير]، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض).

وتقدم أن ثمامة بن أثال وقع أسيرا في أيدي المسلمين. فجاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أحسنوا إساره). وقال: (أجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه)، فكانوا يقدمون إليه لبن لقحة (الناقة الحلوب) الرسول صلى الله عليه وسلم غدوا ورواحا. ودعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأبى وقال له إن أردت الفداء، فاسأل ما شئت من المال، فمن عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأطلق سراحه بدون فداء، فكان ذلك من أسباب دخوله في الإسلام.

هذه رحمة الإسلام في الحرب لا يضارعها أي قانون دولي كما أنها تسمو على القانون الدولي بأنها أحكام دينية لها من الجلال والطاعة النفسية ما للدين وأحكامه، فليسمع العالم كله رحمة الإنسان في الحرب وليتعلموا حقوق الإنسان من الإسلام.