إدريس بن بابه باحامد القراري -
هو الشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح أبو محمد الخليلي المشهور بالمحقق الخليلي، ولد في ولاية بوشر سنة 1236هجرية 1821 ميلادية، من العلماء المحققين والفقهاء البارزين المدققين، يعد الشيخ من أركان دولة الإمام عزّان بن قيس، نشأ الشيخ في رعاية جده لأبيه، الشيخ أحمد بن صالح، عرف منذ نعمومة اظفاره بحبه للعلم والسهر في تحقيق المسائل، لم يكن يتوانى في تحقيق مسألة متى ما تبين له أنها تحتاج لمزيد من التحقيق والتدقيق، لذا سمي بالمحقق، عاش فترة من حياته في بوشر ولما بلغ أشده واستوى اتخذ سمائل وطنا له دون ان يتنازل عن بوشر التي شهدت مسقط رأسه.
عرف الشيخ بالتقوى والورع، الأمر الذي زاده علوا ورفعة، حيث علمه الله تعالى علم ما لم يعلم، فقد اتقى الله تعالى فعلمه، عرف بكثرة توسله إلى المولى، ولم يكن زهده ليؤثر عليه في إحقاق الحق وإبطال الباطل، بل كان يصدع بالحق متى ما رآه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يدعو إلى صلاح الأمة،ووحدة صفها، وجمع الكلمة على الحق، فازداد الخلق له حبا.
جمع الشيخ صنوفا عديدة من العلم، مع شدة تدقيقه وتحقيقه لمسائله، وهذا نظرا لتكونه الذي لقيه أيام تعلمه، فقد تلقى العلم على ذمة من المشايخ الخيرين أمثال: الشيخ ناصر بن أبي نبهان، والشيخ سعيد بن عامر الطيواني، والشيخ حماد البسط وغيرهم، الأمر الذي شحذ همته، وأبرز نبوغه، ولم يكن ليبخل بما حباه الله تعالى من علم، فقد زكى علمه، فزاد، فنال شرف التحصيل على يديه نخبة من الطلبة الذين ذاع صيطهم فصاروا مشايخ لهم موقعهم في العلم أمثال: الشيخ صالح بن علي الحارثي، والشيخ جمعة بن خصيف الهنائي، والشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي وغيرهم.
خلَّف الشيخ بعده ذرية صالحة طيبة اشتهر عليها الصلاح والتقوى والورع، وحب العلم ونشر الفضيلة، كما خلف وراءه تراثا فقهيا وعلميا ضخما، لا يزال البعض منه مخطوطا، ومن ذلك التراث:
1- النواميس الرحمانية في تسهيل الطرق إلى العلوم الربانية، وقد انتهى من تأليفه سنة 1265هجرية 1849 ميلادية وقد نشر السيد محمد بن أحمد البوسعيدي رحمه الله تعالى نسخا من المخطوط دون تحقيق، وهو في موضوع الأسرار والتلاوات وفوائد أسماء الله تعالى الحسنى.
2- رسالة في أحكام الجهاد.
3- كرسي الأصول ولا يزال مخطوطا في الأصل، وهو كتاب مهم في الولاية والبراءة.
4- مسألة في أخذ الخراج من الساحل، وهو كتاب مطبوع مهم جدا في بابه.
5- تمهيد قواعد الإيمان وهو كتاب مطبوع من أهم كتب الشيخ وقد نشر في عدة مجلدات.
6- رسالة في الرد على الشيخ المنذري مخطوطة.
وغير هذا من المؤلفات التي لا يتسع المقام لذكرها الآن، ومما وجدته في مكتبة السيد هذا الشرح القيم لقصيدة زكاة النعم منسوبة إلى الإمام والمحقق الخليلي رحمه الله تعالى فأردت إبرازها عسى الله تعالى أن يهيئ من الباحثين من يتكفل بتحقيقها.
بعد حياة مليئة بالجد والاجتهاد والعمل والعطاء في سبيل الله تعالى ، انتقلت روح الشيخ الطاهرة إلى بارئها في شهر ذي القعدة 1287هجرية وفي شهر فبراير 1871ميلادية. رحم الله تعالى المحقق الخليلي رحمة واسعة وأسبل عليه شآبيب رحمته.
الكتاب المخطوط
المخطوط الذي بين أيدينا اليوم هو كتاب شرح قصيدة زكاة النعم للشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، من الكنوز التي تضمها مكتبة السيد محمد بن أحمد في خزانة مخطوطات حرف الشين، يحمل المخطوط رقم: (1368)، يقع هذا المخطوط في (152 صفحة) مقاس الصفحة الواحدة 22 سم طولا و16 سم عرضا، تحمل كل صفحة من صفحاته 18 سطرا، مكتوب بخط النسخ المشرقي الواضح، الأمر الذي يجعل عملية الاطلاع عليه في المتناول، نسخ المخطوط الشيخ سعيد بن سلاَّم بن سعيد الحسيني، لشيخه أحمد بن ناصر بن عبدالله السبتي، وكان ذلك بتاريخ الإثنين 18 رمضان 1266هجرية، استعمل الناسخ لونين اثنين على غرار كثير من النساخ، مخصصا اللون الأحمر لكتابة لفظة (مسألة )، أو البيت الذي سيشرح، أو بعض الخطوط والتنميقات والتزيينات، وعناوين الفصول، أما اللون الأسود فقد جاء على أغلب المخطوط.
حالة المخطوط ممتازة جدا، إلا أن السيد محمد بادر إلى تغليفه تغليفا حراريا حفاظا عليه، ذلك لأن بعض الصفحات بدأت بالتآكل من حوافها، يلاحظ على المخطوط وجود بعض الإضافات على الهوامش وهي لا تعدو أن تكون توضيحية أو بيانية، أو إضافية لشيء معين، وهو أمر قليل باعتبار بعض المخطوطات.
- بداية المخطوط:
يبتدي المخطوط : بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا من أنعم بتزكية من شاء من عباده، فهداهم وهدى بهم إلى سبيل رشاده، وصلوات الله على نبيه المصطفى والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، فقد عثرت في حال مطالعتي للآثار والتماسي لجواهر الفوايد وصفحات الأسفار على أبيات جامعة لتفصيل صدقة الأنعام في مختصر ألفاظها الغريبة الوضع والنظام فرأيت من غرابة وضعها ما خلت أنَّه في الاختراع من نسيج وحده….(الصفحة الأولى من المخطوط).
- نهاية المخطوط:
ينتهي المخطوط : …وامنن علينا بالخلاص من سجن الطبع إنك ذو الفضل العظيم، وصلِّ على نبيك وصحبه الكرام أفضل الصلاة والسلام ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم تمَّ الكتاب بعون الملك الوهاب وكان تمامه نهار الإثنين 18 رمضان سنة 1266 وكان تمامه على يد العبد الفقير الذليل المقر على نفسه بالذنب والتقصير الراجي العفو من ربه العليم القدير أسير شهوته النادم على ما سلف من سيئاته الأقل لله سعيد بن سلاَّم بن سعيد الحسيني نسبا والإباضي مذهبا نسخه لشيخه ومحبه وصفيِّ ودِّه والده أحمد بن ناصر بن عبد الله السبتي اللهم ارزقه حفظ معانيه آمين اللهم آمين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم# (الصفحة 152 من المخطوط). هذه اللفظة أضافها مالك الكتاب فيما يبدو لي وليست من ضمن ما خطَّه الناسخ لأن الخط مختلف واللون كذلك وهذه العبارة هي: (مالكه أحمد بن ناصر بيده).
- قبسات من المخطوط:
لا بأس ان نأخذ بيتا من أبيات القصيدة ونذكر بعض ما جاء في شرحه لبيان منهجد الشيخ في ذلك، وللاطلاع على بعض الدرر التي جاءت في ذلك، ونترك المجال لمن أراد أن يطلع على المخطوطة الأصلية لمزيد من العلم والمعرفة والاغتراف مما جاء فيها من معاني ودرر ولآلئ، تكسو الإنسان بحلة العلم،وتزيده بهاء ورفعة، يقول في بيان زكاة النعم إذا كانت مقصودة للتجارة ومتى يجب زكاتها:
وما كان مقصودا به لتجارة بأثمانها تجري الزكاة أو القيم.
لفظ البيت ظاهره ومعناه أن كلَّ حيوان ملك بقصد التجارة ففيه الزكاة على شروطها، إذا وجبت فيه زكاة التجارة كما سيعاد تفصيلها إن شاء الله، وفيه دلالة على أن ما لم يقصد به التجارة من هذا النوع فلا زكاة فيه، ومعلوم باستقراء الشريعة أن ليس كل حيوان يصح ملكه، وما لا يصح تملكه فلا تصح التجارة منه وما لا تصح التجارة به لم يدخل فيه حكم الزكاة البتة، إذ ليس في الحيوان زكاة، إلا على وجهين إما في ذواتها كالأنعام وإما في أثمانها كساير ما يصح أن يراد به التجارة ولا نجد وجها ثالثا ولا يخفى أن للانعام حكما قائما بنفسه ،وسيأتي إن يسّره الله وهذا حكم التجارة وأشراطها في هذا البيت.
إذا تمَّ حول بعد تمِّ نصابها ودونك في الأنعام قولا قد انسجم
الشطر الأول تكملة للبيت السابق، وفي الشطر الثاني خروج إلى النوع الآخر الذي هو زكاة الأنعام ومعنى انسجم أصله مأخوذ من انسجام الغيث إذا انصبَّ وتتابع فاستعير لما كان من القول مفرغا في قوالب السلاسة والسهولة خاليا من خشونة التعقد والبشاعة ، وقد سمِّي به نوع من البديع مخصوص في عرف أهل البيان، بما كان على نحو هذه الصفة ونحن الآن نشرع في بيان النوع الأول مقسما في مسائل….(الصفحة 24، 25 من المخطوط).
وهكذا يستمر الشيخ في عرض البيت وبيان تفاصيله وما يحويه من مسائل، في أسلوب رائع واضح وجميل وسهل لا غموض فيه ولا تكلف ولا تصنُّع.


