السنة والتشريع: تمسك الصحابة بالسنة ونشرها وحمايتها

لقد أحب الصحابة هذا الدين الحق الذي ملأ عليهم حياتهم، وأقبلوا عليه بإخلاص وصدق ويقين ورغبة وجدية، وفدوه بأرواحهم وما يملكون، وجاهدوا من أجله وفارقوا الأوطان والأهل والأموال، وصبروا على تبعاته رغبة في جزيل المثوبة وحملا للأمانة على وجهها.

وما إن توفي النبي صلى الله عليه وسلم حتى ازداد إحساس الصحابة الكرام بالمسؤولية الكبرى والأمانة العظمى الملقاة على عواتقهم، وهي الاستمرار في السير قدماً بهذا الدين نشراً له ودعوة إليه وجهادا في سبيله بالإضافة إلى ما هو معلوم من التمسك به والعض عليه بالنواجذ.

ولقد استجاب الصحابة لله ورسوله في الأمر بالتمسك بالسنة والذود عن حماها، قال تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»، وعن العرباض ان سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمرعليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة، وقال صلى الله عليه وسلم تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي).

وعلى هذا المنهج من المحبة للسنة والتمسك بها ونشرها وحمايتها سار التابعون لهم بإحسان، قال رجل للتابعي مطرف بن عبد الله: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: (والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا) وفيما يلي عرض مختصر ولكنه كاف لبيان تمسك الصحابة والتابعين بالسنة، ومنهجهم في حملها وحمايتها ونشرها، وعوامل انتشار السنة في ذلك العصر. وعن تمسك الصحابة والتابعين بالسنة، يقول الدكتورالحسين بن محمد شواط في كتابه «حجية السنة وتاريخها» لقد ضرب الصحابة ومن بعدهم التابعون المثل الأعلى لسائر المسلمين في حسن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والائتمار بأوامره والانتهاء عما نهى عنه، لا فرق في ذلك بين فترة حياته وبعد وفاته، فإن الطاعة واجبة في الحالين على السواء، ولقد تضافرت جهودهم على ذلك، يحدوهم قوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوالله واليوم الآخر»، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله)، وقد كان هذا الاقتداء في السراء والضراء، وفي السلم والحرب، بل كانوا يحرصون على التمسك بالسنة ومتابعتها وإن لم يهتدوا إلى حكمة ظاهرة في ذلك الاتباع، كما سيأتي في النماذج. من نماذج اقتداء الصحابة وتسليمهم للسنة: جاءت فاطمة إلى أبي بكر رضي الله عنهما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تطلب سهمه فقال لها أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عز وجل إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين، فقالت: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم). وفي رواية : (لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به وإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ).

وقف عمر رضي الله عنه عند الركن وقال: (إني لأعلم أنك حجر ولو لم أر حبيبي صلى الله عليه وسلم قبلك أواستلمك ما استلمتك ولا قبلتك «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، وفيما يتعلق بالهرولة في الطواف والتي شرعت في الأصل ليرى المشركون قوة المسلمين وجلدهم فلما قويت شوكة الإسلام ذهبت العلة الظاهرة لهذا الأمر، قال عمر: (فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب، وقد وطأ الله الإسلام ونفى الكفروأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن سعيد بن المسيب قال: رأيت عثمان قاعدا في المقاعد فدعا بطعام مما مسته النار فأكله، ثم قال إلى الصلاة فصلى، ثم قال: (قعدت مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلت طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصليت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقيل لعمران بن حصين رضي الله عنه: إنكم تحدثوننا بأحاديث لم نجد لها أصلا في القرآن، فغضب عمران، وقال للسائل: (قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعا، والمغرب ثلاثا، والغداة ركعتين، والظهر أربعا، والعصر أربعا؟ قال لا: قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أوجدتم في القرآن: في كل أربعين شاة شاة، وفي كل كذا بعير كذا، وفي كل كذا درهما كذا؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أما سمعتم الله قال في كتابه: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}. وقال عمران أيضا: (نزل القرآن، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (اتبعونا، فوالله إن لم تفعلوا تضلوا).

ويشير صديق عبد العظيم في كتابه «دراسات في السنة النبوية» إلى نماذج من تمسك التابعين بالسنة فيقول: عن أيوب السختياني أنه قال: (إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال مضل) وقال حسان بن عطية: «كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: (لا تفت برأيك إلا أن تكون سنة عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أو كتاب منزل)، وقال مكحول: (السنة سنتان، سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيرها حرج).


وقال عمر بن عبد العزيز: (والسنة إنما سنها من علم ما في خلافها من الزلل، ولهم كانوا على المنازعة والجدل أقدر منكم، فاتبعوا ولا تبتدعوا). وقال شريح القاضي: (إن السنة سبقت قياسكم فاتبع ولا تبتدع). وقال عون بن عبد الله: (من مات على الإسلام والسنة فله بشير بكل خير).