مسعود بن محمد المقبالي -
في شهر رمضان توفي العالم الكبيرأبو مالك عامربن خميس المالكي وذلك في الربع الأخير من الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك في عام 1346هـ، وله من العمر ما يقارب ستا وستين سنة.
هو العالم الشاعرالفقيه: عامر بن خميس بن مسعود بن أحمد بن مسعود بن أحمد بن حديد بن خميس بن عبد الله بن عمر المالكي.
ولد هذا الشيخ في سيح الحيل بوادي بني خالد من المنطقة الشرقية بين عامي (1280- 1282هـ) الموافق(1864-1866م)، وذلك قبل قيام إمامة الإمام عزان بن قيس بخمس سنوات تقريباً، فقد درس الشيخ المالكي مع الشيخ سعيد بن علي الصقري الريامي، والشيخ صالح بن علي الحارثي، والشيخ نور الدين السالمي-رحمهم الله- فقد قال عنه الإمام السالمي وهو في فراش الموت:»لا أخاف عليكم من جهل وفيكم عامر بن خميس، ولا من وهن وفيكم سالم بن راشد» تعظيماً وتقديراً لمكانتهما.
يروى أن أباه كان فقيرا وأراد أن يمنعه من الدراسة حتى يتفرغ لكسب المعيشة ولكنه لم يستسلم للواقع ، فلازم حلقات النور السالمي حتى أصبح ممن يشار إليهم بالبنان ، وتولى القضاء والتدريس والتأليف.
يعد الشيخ المالكي في زمانه من جهابذة العلماء الفطاحل، وكان مرجعاً للفتوى والأمورالسياسية، وللرأي والمشورة، لما عُرف عنه من رجاحة العقل والدهاء والحنكة. تقدم فيما مضى أن العلامة المالكي هو أول من بايع الإمام سالم بن راشد الخروصي ، كما أنه كان من شيوخ الإمام الخليلي ومن مبايعيه،وهذا دال تمام الدلالة على مكانته بين أعيان عمان في ذلكم الزمان.
عرف الشيخ المالكي بالورع والنزاهة ،ومن ذلك أنه كان لا يشعل السراج الذي في المسجد إلا في وقت الصلاة والتدريس، أما في حال قراءته بنفسه فيشعل سراجه الخاص به لئلا يأخذ مالا بغير حق ولو كان قضيبا من أراك، حتى يذكر عنه أنه لما توفي كانت عليه ديون كثيرة تكفل عنه الإمام الخليلي بتأدية النصف منها.
ومن دلائل شأنه الرفيع وقدره المنيع ما روي عن الإمام سالم بن راشد أنه خرج في زيارة لبعض أعيان أهل نزوى،وكان لديهم عامل كبيرالسن قد رباهم فصاروا يجلونه ويحترمونه، ولما وصل الإمام سالم كان هذا العامل هو الذي فاق الجميع في الترحيب واستقبال الضيوف، وحدث أن جاء رجل ضعيف ليصافح الإمام فقال له هذا العامل افسح الطريق للإمام ،و خاطبه بكلمة تحتمل إقامة حد القذف، فسمعه الإمام فقررإقامة الحد عليه وأمر بإحضارالعصي واضطرب أهل ذلك العامل لما رأوه من أن جلد هذا العامل ثمانين جلدة سوف يؤدي إلى موته ولم يجدوا أحدا يستطيع أن يكلم الإمام في هذا الموضوع إلا الشيخ عامر بن خميس المالكي، فأرسلوا إليه وعند وصول الشيخ تلقاه أولياء أمرهذا العامل ،وطلبوا منه بكل جهد أن لا يجلده ، وسأل أبو مالك عن أمر هذه العصي فأخبره بالحادثة ولم يذكر له الكلمة التي استحق بسببها هذا العامل الجلد ولكنه أخبر من طرف آخر فما كان من الشيخ أبي مالك إلا أن وضح للإمام مدلول هذه الكلمة والمقصود بها عند العمانيين فبان بذلك امتناع الحد على العامل لوجود الشبهة والحدود تدرأ بالشبهات ، وهكذا اقتنع الإمام بوجهة نظرالشيخ المالكي ولم يقم الحد على العامل.
ولقد نال هذا الشيخ مكانة عظيمة في نفس الإمام نورالدين السالمي حتى أنه لم يطق فراقه عندما ذهب إلى جعلان فأرسل إليه:
أعامر أنت عندي خير صاحب : وأنت فتى عددتك للنوائب
أترحل عن أخيك بلا اختيار : وتتركه بلا قار وكاتب
لئن لم تأتني في كل يوم : لأعتمد الركوب على النجائب
وأضرب في بلاد الله شرقا : وغربا والجنوب وكل جانب
وفي شهر رمضان كان رحيل هذا الشيخ الجليل إلى ربه تعالى تاركا وراءه ذكرا عاطرا حسنا فرحمه الله ورضي عنه.


