تاريخ وحكماء: حكماء في الصبر

د. ناصر الندابي -

الصبورهي من أسماء الله تعالى الحسنى، والصبرحلية الأنبياء، والصبر من الحكمة، والصبر زينة الحكيم، والصبرمفتاح الحكمة، فبه ينال الإنسان مراده، ويحصل على مبتغاه، والصبورإن تزين بالحكمة ساد قومه، وقاد أتباعه، وجمع شملهم، ورأب صدعهم، والثمار لا تأتي إلا بالمصابرة، والصبر من معالم العظمة وشارات الكمال، إن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل، ولا ينهض برسالتها الكبرى ، ولا ينقلها من طورإلى طورإلا رجال عمالقة وأبطال صبارون. وقدوتنا وأسوتنا في الصبر سيدنا الصبور محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. يقول ابن أبي طالب – كرم الله وجهه-.

اصبر على مضض الإدلاج في السحر وفي الرواح إلى الطاعات في البكـر

إنـي رأيـت وفـي الأيـام تجربـة للصبـرعاقبـة محمـودة الأثــر

ولقد ترنم حكماء عمان بالصبر وضربوا فيه أروع الأمثلة، قال الأصمعي إن القائد الحكيم المهلب بن أبي صفرة العماني قال لأعرابي زاهد: ما رأيت أزهد منك ولا أصبر منك، فقال : أما ما رأيت من زهدي فهو رغبة في الله، وأما ما رأيت من صبري فهو جزع كله فقال له: قلبت المسألة عليّ ففسرها لي ، قال: أما صبري فلجزعي من النار، وأما زهدي فرغبة في أعظم من هذا القدر واستقلالي للفاني ورغبتي في الباقي الجزيل.

ويروى أن الشيخ الزاهد أسد بن عبدالله بن أسد الأغبري تعرض من بعض دهماء الناس ورعاع القوم لسوء وأذى، وكان جزاء ذلك أن أطلق رجل يلقب بولد النار الرصاص على ابن الشيخ أسد وكان لم يجاوز سن الرابعة عشرة فخر صريعا مسلما روحه إلى باريها تبارك وتعالى، فحزن الشيخ على فراق ابنه وقال قصيدة يصبر فيها نفسه على ذلك ومن أبيات هذه القصيدة قوله:

سأصبر لو رأيت الخوف حتى يراني الله إني قد صبرت

ومهما نالني أحد بسوء وجاء إلي معتذرا غفرت

ولو عادت خطيئته مرارا وعاد العزر لي منه عذرت

ومن الحكماء الصابرين الشيخ العلامة حمود بن حميد الصوافي، فصبره المصحوب بالحكمة مع طلابه الذين يتحلقون حوله، ويسكنون معه، والذين قد يصل عددهم إلى ثلاثمائة طالب، يظل الشيخ واقفاً يحييهم ويتعرف على كل واحد منهم عن اسمه، وعنوانه، وصفه الدراسي، أو عمله ، بينما يتعب الحاضرون معه فيقعدون ولا يستطيعون الصبر مثله، فلله دره من صابر حكيم.