عالم وكتاب: الشيخ عبد الله الربخي .. وداليته في الصلاة

فقيه وشاعر متقن -

إدريس بن بابه باحامد القراري -

هو الشيخ العالم العلامة عبد الله بن مبارك بن عمر بن هلال الربخي من علماء القرن الحادي عشر الهجري يرجع أصله إلى مدينة بهلا ، شهد له بالعلم والنبوغ فيه، عرف بالجد والعمل والاجتهاد، وتبصره في تحقيق المسائل والتعب في الحصول عليها، وقد من الله تعالى عليه بأن أدرك بعض العلماء من القرن العاشر الهجري أمثال الشيخ أحمد بن مدّاد، عرف بشعره المتين الرصين، فقد كان فقيها وشاعرا نظم بشعره عدّة أراجيز وقصائد تصلح أن يكون منها مجلد ضخم في بابه، ومن ذلك، داليته في الصلاة وغيرها مما سيكون عليها مدار حديثنا اليوم بمشيئة الله تعالى وغيرها من القصائد والأراجيز، مثل:

1- أرجوزة في الأديان والأحكام، من روائع الأراجيز تتجاوز الخمسمائة بيت.

2- أبيات شعرية في أصول الدين وعلم الفلك وغير ذلك.

3- قصائد متنوعة في باب المدح والثناء.

4- قصائد متنوعة أوردها الشيخ الرمحي في كتابه لقط الآثار، مثل: قصيدة في أحكام صلاة الجماعة. وقصيدة في الإقرار والعطية وغير ذلك.

عرف الشيخ بنهمه الشديد للعلم واهتمامه به وبنسخه فقد نسخ عدّة كتب منها: جزء من منهج الطالبين، فقد نسخه في شهر جمادى الأولى 1042هجرية، يوافقه ديسمبر 1632ميلادي. وللعلم فإن هنالك عدة أعمال على نتاجه الفقهي إما بنفسه حيث علق على بعض نتائجه، أو من بعض الدارسين والباحثين الأكادميين الذين بدأوا ينكبون على التراث العماني دراسة وتحقيقا، داعيا الله تعالى أن يوفقهم في ذلك ويخرجوا كثيرا من درر التراث مما ينبغي أن يرى النور ولا يبقى حبيس خزائن المكتبات. لم يحدد تاريخ وفاته إلا أنه كان حيا سنة 1042 هجرية و1632ميلادية، ولم أجد من ضبط تاريخ وفاته بالتحديد، رحم الله تعالى الشيخ وجعل علمه مما ينتفع به، وأسبع عليه شآبيب رحمته.


المخطوط:

المخطوط الذي بين أيدينا اليوم هو عبارة عن مجموعة من قصائد الشيخ بداية من آلية الصلاة وشرحها، وفائية في صلاة الجماعة في 56 بيتا، ولامية في الإقرار والعطية والهبة وما إلى ذلك في 128 بيتا، وقصيدة في الرد وأحكامه تقع في 31 بيتا مع الشرح، وبعد هذه القصدية ذكر قصيدة في الفتوى وما يجوز وما لا يجوز وفيما يجب على الحاكم وفي سقوط الضمان عنه على قافية الميم، ذكر منها 26 بيتا، ويبدو لي ان القصيدة لم تنته بعد، ، يقع هذا المخطوط في خزانة حرف الدال، من خزائن مخطوطات مكتبة السيد محمد بن أحمد، برقم: (1293)، وقد علق السيد محمد وفهرسها بعنوان: أديان، إلا أن العنوان الصحيح هو ما يدل عليه موضوع المخطوط إذ هو قصيدة دالية، كما سلف الذكر، يقع هذا المخطوط في 100 صفحة، لم يذكر في آخر المخطوط ناسخ القصائد والشروح ولا تاريخ ذلك، الأمر الذي يجعل ذلك مبهما، نسخ المخطوط بخطين اثنيبن الثلث وهو لبعض الأبيات في بعض القصائد، وبالنسخ المشرقي في بقية المخطوط، ولعل النسخ هو السائد على المخطوط، مقاس كل صفحة من صفحاته 28 سم طولا و20 سم عرضا، تحمل كل صفحة من صفحاته ما يقارب 19 إلى 20 سطرا في بعض الصفحات وفي البعض الآخر 15 سطرا أو أكثر بقليل، مستعملا الناسخ لونين الأحمر والأسود. أما عن موضوع المخطوط فذلك يعلم من خلال ما عرضناه سالفا من عناوين القصائد. لا يزال المخطوط بحالة جيدة على العموم إلا أن بعض الصفحات فيها بعض الآثار التي تدل على قدمه، والجدير بالذكر أن السيد محمد بن أحمد رحمه الله تعالى بادر إلى تغليف الصفحات الأولى والأخيرة من المخطوط لحمايتها لما طرأ عليها من آثار قد تؤثر على المخطوط سلبا من حيث شكلُه.

بداية المخطوط: يبتدئ المخطوط بقول الشيخ الربخي: «…بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكبير المتعال، المنفرد بالوحدانية والجلال، الكريم بآلائه، العظيم بكبريائه، الباطن لذاته، الظاهر بآياته، القادر فلا يمنع، والقاهر فلا ينازع، المنيع فلا يرام، والعزيز فلا يضام، الذي له الأقضية والأحكام، تفرّد بالبقاء، وتوحّد بالعز والعلا، واستأثر بأحسن الأسماء، ودل على قدرته بخلق الأرض والسماء، أوجد المعدوم إبداعا، وأحدث ما لم يكن إنشاء واختراعا» (الصفحة الأولى من المخطوط).

نهاية المخطوط: ينتهي المخطوط، بهذه الأبيات التي تنتمي إلى قصيدة في الفتوى وما يجوز وما لا يجوز وفيما يجب على الحاكم وفي سقوط الضمان عليه يقول:

والعالم المفتي بآرائه إن زلَّ معذور بلا جرم

إن كان بالسنة والآي و الإجماع ذاعلم وذا فهم

وليس للحاكم في حكمه يرجع في الحرب وفي السلم (الصفحة 100 من المخطوط آخر صفحة).

قبسات: ما دام موضوع الكتاب متنوعا حيث نجد بان كل قصيدة تتحدث عن موضوع معين لا بأس أن نختار من كل بستان زهرة كما يقال، أي من كل قصيدة أو شرح بعض ما جاء فيه، ولمن أراد الاستزادة فإن للمخطوط الشرف في ذلك، فالإفادة والاستفادة لا حدود لهما، فمما جاء في شرح دالية الصلاة والوضوء ما يلي:

وأفضل ما يحوي الفتى في اجتهاده عبادة مولاه المهيمن فاعبد.

المهيمن اسم لله تعالى، وهو القائم على خلقه: قال تعالى: (السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عمَّا يشركون)، قال ألا أن خير الناس بعد نية مهيمنة [؟؟] في العرف والتكبر، قال بعض النحويين: مهيمن مؤيمن فأبدلوا من الهمزة ياء، لعله هاء، قال:

فهياك والأمر الذي إن توسّعت موارده ضاقت عليك مصادره.

وأول أصل افرض إخلاص نية وطهر إذا استنجيت في الماء باليد.

الفرض: ما أوجبه الله تبارك وتعالى سمي بذلك لأنه معالم وحدود، ويكون التوقيت كقوله عزّ وجلّ: (فمن فرض فيهن الحج)، والإخلاص هو إخلاص الطاعة، ومنه قوله تعالى: (مخلصين له الدين) أي بالطاعة والعبادة قوله عز وجل: (ألا لله الدين الخاص)، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا يستحق الدين الخالص إلا لله سبحانه، والطُّهور بضمِّ الطاء، نقيض النجس، والطهور اسم ما يتطهر به، قال الله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا)، والاستنجاء الطهارة من الحدث والطهارة أول فرض ولا تقوم العبادات إلا بها، ولا يسع جهل معرفها على كل بالغ من ذكر وأنثى والله أعلم.

ولا تتوضى بالمضاف لغيره ولا نبيذ ولا سلاقة عنجد..

(الصفحة 10 من المخطوط).

ومما جاء في قصيدة الإقرار وفيما يجوز وفيما لا يجوز وغير ذلك:

وموسى يرى الإقرار بالحق آجلا إذا قال بعد الموت وهو مؤجل

وكان ابن محبوب يرى ذاك عاجلا ونحن بما قلاه نرضى ونعمل

المسألة: موسى بن علي رحمه الله، وعن رجل قال علي لفلان ألف درهم إذا متّ، فقال هم عليه إذا مات، وقال محمد بن محبوب رحمه الله: هو عليه حال وذلك الاستثناء باطل والله أعلم.

وفيما معي أو ما أرى فهو باطل وظني له حق على معجّل

وإقراره منه عليه لخالد لزيد لعمرو أن عمروا فأفضل.

المسألة: إذا قال علي درهم لخالد لزيد لعمرو وأنه يكون لعمرو كما أنه لو قال عمرة زينب فاطمة طالق وكلهن نساؤه طلقت فاطمة وحدها والله أعلم (الصفحة 79 من المخطوط).

ومما جاء في قصيدة الرد وأصوله ومعرفة حسابه وتصحيحه ما يلي:

وكل ابن أنثى وهو في غفلانة على يد هذا الدهر ليس ندى أيدي

ولات خلود يرتجيه الفتى وما أحدا قد أوعد الله من خلد

الخلود الخلد بضم الخاء وهو البقاء والدوام، ويرتجيه أي يأمله والرجاء في هذا هو الأمل، قال:

لو على الدهر خلود خلدت أنبياء الله لوحي خلد

فأصل تكن في الأربعين كأمِّه وزوجين مع بنتين اختا بني سعد

(زوجين) معناه: (زوجتين)، ومنه يقال: عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم والجمع أزواج، قال الله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك)، والزوج الصنف من الشيء، وقوله عز وجلَّ: (وآخرمن شكله أزاوج) أي أصناف من العذاب والله أعلم بتأويل كتابه (الصفحة 95/ 96 من المخطوط).

ومما جاء في آخر قصيدة عن الفتوى وما يجوز وما لا يجوز:

لا ترض غير العلم من حلم إن كنت ذا عزم وذا حزم

واعمل به فالعلم إن لم تكن ذا عملٍ ضرب من الظلم

والورع المحمود فالزمه كي تصبح في حصن عن الوصم

واجتنب الإثم وأشياعه وكلَّما يدعو إلى الإثم

ثم قال:

وكن ممن علّمت ذا رأفة فإنه أسرع للفهم

ولا أرى كالحلم من عصمة في كل ما يحتاج للحلم

واحذر بان يطلبه رغبة للجاه والسمعة في الحشم

ولا تكل بالعلم لو ساعة لتكتسي من معرة اللحم

فكلما أفتى به عالم فواسع لا شك في الحكم

إن وافق الإجماع في عصره ووافق الحقّ بلا هضم..

«آخر صفحتين من المخطوط». والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.