هناك اختلاف بين الفقهاء في اشتراط الذكورة فيمن يتولى هذه الوظائف: فيرى معظم الفقهاء أن الذكورة شرط لازم للقضاء وصحة الحكم، لأنهم يشبهون القضاء بالإمامة الكبرى، لأن القضاء يحتاج إلى الاختلاط بالرجال من الخصوم والشهود والمرأة ممنوعة من ذلك خوف وقعها في الفتنة والخلوة. لكن بن جرير الطبري يرى أن المرأة يجوز أن تكون حاكماً أو قاضياً على الإطلاق في أي شيء. وكذلك كان يرى ابن حزم. ويقول الدكتور محمد بلتاجي في كتابه «مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة» أن الإمام أبو حنيفة يرى أن المرأة يجوز أن تكون قاضيا في الأحوال (القضايا المدنية) لأنه تجوز شهادتها في المعاملات، بخلاف الحدود والجنايات والعقوبات.
أما ما يذهب إليه جمهور الفقهاء فهو – فيما نرى – غير راجح، لأن تشبيه القضاء برئاسة الدولة فيه تجاوزات كثيرة، أولا لورود النص في خصوصها. وثانيا: لاختلاف الأمر اختلافا بينا بينهما، لأن رئاسة الدولة غير النظر في خصوص قضية محددة الجوانب فيها خلاف بين خصمين أو خصوم، فهو قياس مع الفارق الكبير. أما ما يراه أبو حنيفة من أن المرأة يجوز أن تكون قاضيا في الأموال لأنه تجوز شهادتها فيها – فغير راجح، لأن الرجال أيضا تجوز شهادة العدول منهم على الأموال، لكن ذلك وحده لا يكفي لتوليتهم القضاء. على أنه قد صح عندنا – كما سيأتي – أنه تجوز شهادتها أيضا في غير الأموال. ولمجموعة ما سبق كله نرجح قول ابن جرير الطبري، وابن حزم الذي يقول: وجائز أن تلي المرأة الحكم (أي في القضاء والولايات غير الإمامة العظمى) وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه ولي الشفاء امرأة من قومه السوق. فإن قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة)؟ قلنا: إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر العام الذي هو الخلافة. برهان ذلك قوله علية الصلاة والسلام: (المرأة راعية على مال زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها). وقد أجاز المالكيون أن تكون وصية ووكيلة، ولم يأت نص من منعها أن تلي بعض الأمور).
أما ما يقوله بعض الفقهاء من أن النبي صلى الله عليه وسلم (لم يول امرأة، ولا أحدا من خلفائه، ولا من بعدهم قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا) فليس عدم فعلهم هذا دليلا على عدم الجواز، إنما هو دليل فحسب على أنه ليس واجبا. والذي يعنينا أصلا في القضية هو: هل يوجد نص صحيح قطعي الدلالة في المنع من ذلك؟ والجواب: لا يوجد مثل هذا النص، لا قطعي الدلالة، ولا ظني الدلالة بطريق عقلي راجح، وحينئذ نستصحب الأصل العام. الذي سبق أن أقررناه ونستصحبه معنا دائما – بخاصة في القضايا الاختلافية – وهو: الأصل تساوي الرجل والمرأة فيما لم يدل الدليل القطعي (أو بغلبة الظن الراجح) على اختصاصه بأحدهما، أو منع أحدهما منه.
ويشير الدكتور مصطفى السباعي في كتابه «المرأة بين الفقه والقانون» إلى أن هناك حجة قد تبدو وجيهة في منع المرأة من تولي القضاء، وتتلخص في أنه لا يختلف مسلم في صحة ما أورده القرآن الكريم في شهادة المرأة من أنه {.. أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [سورة البقرة الآية 282]، فإذا كانت المرأة في الشهادة يمكن أن تضل حتى تحتاج إلى امرأة أخرى تذكرها الذي نسيته أو غفلت عنه فيها، أفلا يدل ذلك بالأولى على عدم جواز توليه القضاء خشية نسيانها أو غفلتها عن بعض الاعتبارات المهمة المؤثرة في القضية!.
لكن ذلك إنما كان يمكن أن يحتج في عصور (إفراد القاضي)، أما الآن فقد استقرت النظم القضائية الحديثة على أنه يجلس للقضاء في كل دائرة هيئة قضائية مكونة من رئيس وعضوين يتشاورون جميعا ويتعاونون في مراحل القضية المتتابعة لتحري الحق والحكم به، ولو غفل أحدهم عن اعتبار ما فيها ذكّره الآخران به، ولو كان الجميع ذكورا.
فلو وليت المرأة القضاء في ظل هذا النظام الحديث (الذي يكفل احتياطا كبيرا في معرفة الحق والحكم به) وغفلت عن اعتبار ما في القضية، ذكرتها به زميلتها الثانية أو الثالثة، لأن الآية السابقة لم تكتف بالإشارة إلى الغفلة أو النسيان من المرأة، بل عالجته بتذكير الأخرى لها، وهذا كما يمكن أن يحدث في الشهادة يمكن حدوثه أيضا في القضاء. وحتى في شهادة الرجال: لماذا طلبت الآية (شهيدين) لا واحدا؟
ليذكر أحدهما الآخر إن غفل أو نسي، فهل يمنع هذا الاحتمال الرجل من تولي القضاء؟!
بل إن بعض النظم الغربية الحديثة تلجأ لنظام المحلفين الذي ينظر في القضية على مستويين متوازيين، يدير القاضي فيه الجلسات، ليكون المحلفون رأيهم بأناة ثم يخبرون به القاضي، ليقدر – بناء عليه – الحكم أو العقوبة المناسبة (إن كان رأيهم هو الإدانة)، ويبلغ عدد المحلفين عشرة أفراد أو أكثر.
ومن الملاحظ أن نصوص الشريعة لم تلزم النظام القضائي الإسلامي بطريقة معينة لا يتعداها، بل اكتفت بالتوجيه العام نحو تحري العدل والحكم به، وتركت أمر الإطار القضائي للمجتهدين في كل عصر. ومهما يكن من أمر فليس منصب القضاء أخطر من الفتوى في الدين والاجتهاد فيه، ونقل نصوصه وروايتها للناس، وقد قامت بذلك كله (المرأة) منذ عصر الصحابة دون تكبر. بل كان بعض ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض زوجاته به.


