إن الحصانة الذاتية والمقاومة النابعة من الإيمان والتقوى هي السلاح الفعّال الذي يعول عليه الإسلام في وقاية شبابه من الغواية والانحراف، فقد عرض القرآن قصة يوسف عليه السلام، مثلا للشباب التقي المستعصم عن الفاحشة، مهما سهل سبيلها واشتد إلحاحها، إذ كان الإيمان بالله يسيطر على مشاعره وحواسه: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [سورة يوسف: الآية 24].
فقوله – تعالى -: {لولا أن رأى برهان ربه} [سورة يوسف: الآية 24]، هو التعليل لامتناع يوسف ومقاومته لداعي الشهوة، كما قالت عنه امرأة العزيز: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين، قال رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} [سورة يوسف: الآيات 32 – 34].
ويقول الدكتور مصطفى عبد الواحد في كتابه «الإسلام ومشكلات الشباب مواقف من السنة النبوية»: فها هو شاب في عنفوان قوته، تعرض عليه الشهوة المحرمة، بل يدعى إليها، ويؤمر بها: {ولئن لم يفعل ما آمره} [سورة يوسف: الآية 32] ويتوعد بالسجن إن أبى أن يفعل ما يؤمر به، ولكنه يؤثر العفاف، ويستعصم عن الخطيئة، ويرضى بالسجن مع ما فيه من هوان وحرمان: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [سورة يوسف: الآية 33].
فأي باعث له على ذلك، وأي عاصم له من هذه الهاوية، التي يسرع إليها غيره؟ ليس هناك إلا الإيمان الصحيح والخوف من عقاب الله – سبحانه – والحرص على طاعته.
ومن هنا كان لجوؤه إلى الله سبحانه وتعالى أن يعينه على الصبر، وأن يثبت قلبه على بغض الفاحشة والنفور من أسبابها: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [سورة يوسف: الآية 33].
وهذا هو الدرس الرائع الذي يتلقاه الشاب المسلم من هذه القصة التي تحكي بطولة نفسية فريدة، وتصور نموذجاً إنسانياً كاملا ارتقى بعفافه وحياته إلى الذروة التي يمكن أن يصل إليها إنسان.
وكثيرا ما انتفع المربون المسلمون بهذه القصة في توجيه الشباب.
فهذا الإمام أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة (597هـ) يقول في كتابه (ذم الهوى) الذي ينفر فيه من الشهوات، ويحث على الصبر والعفاف في الوسائل التي يستعين بها الإنسان على الصبر والمجاهدة. (أن يتفكر في فائدة المخالفة للهوى، من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة، ثم يعكس، فيتفكر لو وافق هواه في حصول عكس ذلك على الأبد، وليفرض لهاتين الحالتين: حالتي آدم ويوسف – عليهما السلام – في لقمة هذا وصبر هذا.
ويا أيها الأخ النصوح أحضر لي قلبك عند هذه الكلمات، وقل لي: بالله عليك أين لذة آدم التي قضاها من همة يوسف التي ما أمضاها؟
من كان يكون يوسف لو نال تلك اللذة؟ فلما تركها وصبر عنها بمجاهدة ساعة صار من قد عرفت!).
هكذا يعرض ابن الجوزي على الشباب المسلم قصة يوسف عليه السلام من جانب الصبر والمجاهدة، إنها (مجاهدة ساعة) وهذا هو المطلوب من الشاب المسلم، أن يجاهد نفسه في الله، وحينئذ يجد المعونة والحماية والتوفيق.
وينبغي أن نشير هنا إلى جهود أسلافنا – رحمهم الله – في معاونة الشباب في أجيالهم على سلوك سبيل الاستقامة والحياء والعفاف، ويكفي أن نتأمل هنا موقف الإمام الحافظ الواعظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الذي بادر إلى تأليف كتابه (ذم الهوى)؛ ليجيب به سائلا شكا إليه مما يعانيه من وساوس الهوى وبلاء الشهوة، كما قال في مقدمته:
(شكا إلي بعض من أثرت شكواه إثارة همتي في جمع هذا الكتاب من بلاء ابتلي به وهوى هوى فيه، وسألني المبالغة في وصف دواء دائه، فأهديت له نصيحة وديد لأدوائه، وقد أتيت بها على ابلغ ترتيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
وقد كان ابن الجوزي – رحمه الله – عارفا بحقائق السلوك، بصيرا في إرشاده، مدركا لأمارات الصحة والمرض في النفس، ولنستمع إلى قوله يخاطب هذا الشاب المسلم: (اعلم يا أخي، وفقنا الله وإياك لمراضيه، وعصمنا وإياك عن معاصيه، أنك لم تشك إلي مرضك إلا وفيك بعد بقية ترجى بها السلامة، فبادر إلى استعمال الدواء، وبالغ في ملازمة الحمية، وقد رجوت لك العافية؛ فأما إن كنت تمضي في تخليطك ولا تصبر على مضض ما يوصف لك، فإنك تتعبني وتتعب).
ولو أن العلماء والدعاة والمربين في عصرنا استطاعوا تأكيد هذه المعاني في نفوس الشباب بالأساليب الموافقة لطريقة الإقناع والترغيب، لحلوا كثيرا من المشكلات، ولأعانوا الشباب على سلوك طريق التقوى والاستقامة.


