الإنسان.. مواطن عالمي

د. أحمد بن سعيد الشعيلي -

dr.ilaw@hotmail.com

الإنسان: هو ذلك الكائن الفطري المعروف بصفته الآدمية في أحسن تقويم… المالك لخصائص التطوّر والارتقاء… مستغرقا مفردات علم الاجتماع… ملاحظا محدداتها الزمكانية.

بالطبع، يدخل في هذا التعريف الإنسان البدائي كما المعاصر…لأن المواصفات الجوهرية والهيكلية التي قضت بها إرادة الله تعالى «القوة اللاهوتية»، قد استقرّت منذ النشأة الاولى مع الآدمية، وتأصّلت معها متلازمات الصُّلوحية لظاهرة الكينونة والمقتضيات التي تحكمها؛ من هنا جاء عنوان مقالتي: «الإنسان… مواطن عالمي».

إن الإنسان بصفته الخاصة تتصل به أنظومة معرفية من الحقوق والواجبات… وهي تباشر فيه المعاني الحرة مع مركّبه الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والبيئي والفني… حيث التناسب مع أخلاق العناية والنظريات الرعائية، التي تفترض استفتاء الذات… وتحاول أن تتوجّه إلى الضمير في سؤاله عن التصرّفات… عن تناسب الأعمال… عن طبيعة التواصل الاجتماعي… عن قانون العلاقات الفردية والدولية… أقصد، من حيث عرضها وتصنيفها في مجال التفاعلات القلبية والعقلية … لماذا؟ لأن هذه الأداة تعمل في إطار من الحوسبة الفطرية والعرفية والقانونية… كذلك؛ فإن الرعاية كاهتمام، تعدّ مسؤولية اعتبارية، مزدوجة الاتجاهات مع الخصوص والعموم… وهي تتخذ من المفردات الإنسانية حقل عمل لها…

ظهر الإنسان سلالة قديمة فكوّنت الأعراف ونظم الاجتماع… وهو يرغب في التصويت ضدّ الخارجين على القانون… وأنه يريد –ومن طبيعته – أن يتدبّر شؤونه… أن يتنامى في الدرجات الرُّتبــيّة الكاملة؛ لأن الإنسان هو محل التحصيلات البحثية التي لا تنتهي، ومن يستطيع أن يحدّد الملفات المصلحية… والمشاغل الإيجادية.. الابتداعية… فنحن بصفاتنا الذاتية نعدّ القوة الإرادية التي تقضي في الموجودات، إننا نمثّل الدائرة الأوسع في مشغولات الوحي… وذلك بالنظر إلى كوننا نشكّل الأنموذج الأعقل في مجموعة الكائنات… ما يعني، أننا نلاحظ استوائية المعقولات… وأننا نلازم نظام عملنا التطوري في المعهود الأزلي… وأنه في مقدورنا أن نستثمر الوقائع والأحداث بصورة فاعلة… هذه الإمكانية تستند إلى أساسيات التوظيف الماورائي بالاستنتاج… تعتمد على دراسة النظريات المختلفة… تبدأ باستنطاق التاريخ على كل حال…

تقول التاريخيات عن الإنسان: إنه منشأة معرفية تباشر التكوين الابتكاري… كما أنه مصدر المقروءات الحضارية والرسوم العمرانية.. ويحاول باستمرار أن يتعرّف على الخامات التي تشكّل المادة، ويتّخذ لذلك المدخلات التي توظّف العقل في التعرّف على الحقليات العلمية… والحالات المثالية… فالإنسان يوصف بأنه المكوّن الأكثر تسارعا في مسألة التطوّر الإحيائي، مضافا إليه خصائصه في سياسة التفاعل الديمغرافي، وباعتباره الأقدر على إدارة الأطروحات المتطلّعة، هنا تأتي رغبة المثقف ملحة في إسعاف المشروعات التنموية بالنظائر التقدمية، بناء على طاقة التاريخ، وما تمدنا به من قراءات عديدة في التجربة، نجاحا أو إخفاقا.

مادة المقال، ترجو أن يتلقّى الفرد الإسناد اللازم في دعم نظم الاختلاف البنائي، بحيث نعتبر كل إنسان مواطنا عالميا… بهذه الأفكار نستطيع أن نستثمر واقعية الاختلاف من كونه – لدى الكثيرين – أحبولة تبرر الحرب والصدام، وتحويله -عوضا عن ذلك- إلى شبكة من التفاعل والتكامل بين الناس، فمن المهم جدا، أن تسعى الحضارات إلى الموالفة… أن تحاول المواءمة بين المختلف بكل المقاربات الممكنة… وأن تتصرف بمسؤولية…أي في جميع المنتجات والمخرجات “الدستورية- العلمية- الثقافية- السياسية- الاقتصادية- الفنية…” هذه المعطيات… التصورات… الخطط الاستراتيجية… تمكننا من خدمة الإنسان.

مفهوم الفكرة المُعَالَجَة، إنه من أجل الإنسان، يجب أن تنحاز السياسة العالمية إلى التطبيقات القيمية في العلاقات الخارجية… أن تهتم الصحافة بالمعالجات المفصّلة عن حقوق الإنسان… أن يشتغل الإعلام على النشر والتنويه عن التجاوزات الواقعة بالطرح والمناقشة والتفنيد… أن تعمل القوى المدنية على تسجيل المواقف والملاحقة القانونية بالشجب والتنديد.. بالإدانة والمقاضاة… أن يكتب الباحثون عن نظام التعاون الدولي، ومفهوم التعايش بين الأمم.. وأن يضعوا النظريات العملية بخصوصه… أن تتجدّد القوانين والتشريعات بحسب الحاجة والحالة القائمة، وما قد يطرأ على الساحة العالمية من إحداثيات… أن يعمل النظام الاقتصادي لرفاهية حياتنا اليومية دون أي تمييز سببه الجغرافيا أو التاريخ أو الجنس أو العرق أو اللون أو الديانة أو الثقافة والأيديولوجيا…. فمن تساؤلات المقال؛ لماذا التمييز البيني والقراءة تقول: “كلكم لآدم وآدم من تراب…” هذه المادة البيولوجية تقتضي العدالة في المعاملة؛ لأنها ديانة إنسانية، فـــ”الدين المعاملة”. كانا ذانك نصّين عن نبي الإسلام.

بدت التحولات التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945م بدت جادة.. واعية.. واعدة.. في اهتمامها بالإنسان… بحياته… بكرامته… بحريته… فكان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحدث الأهم في تخريجات الحضارة العشرينية… نعم، يعدّ تقدما نوعيا في مجاله…؛ بالطبع، من المؤسف جدا، أن يقع الإنسان -اليوم- في مزاد الدعاية العالمية، فيتم تداوله باعتباره عملة تخدم الأجندة السياسية… من المؤسف جدًا أن ينتصر الرأي السياسي على منظومة التشريعات والقيم… وقد تطوّرت الحالة بصفة مؤذية للضمير… فبدأ الإنسان كأنه ثانوي العناية… حيث تبلورت ما أسميه بــ”الأنوية المطلقة” طارحة المناسقة التكاملية بين الناس، أقصد أن الافتراض الطبيعي، بأن يجد الإنسانُ مادةَ التكريم بالقوة الإرادية العليا… لأن معروضات الوحي الديني… ومعها المفروضات العالمية المدعمة بالتشريع.. بالعرف.. بالعادة… كلها تعتقد القيم العدلية… تشتغل بها… مع المجتمع الإنساني “البرازيلي- الهندي- الماليزي- الكمبودي- البريطاني- الكيني- المجري – الكندي……” إذا توظّفت هذه المعطيات، فإنها ستخدم الإنسان فعلا. أزيد إلى هذه المعلومة ما يخدمها من أسس في العلاقات… التعاونيات… التواصلات… كلها بموجب قانون المعروف القيمي الذي يشكّل علم الأخلاقيات، مما يساهم باتساع في النشر العالمي للإنسانيات… فما يهمني… ما يشغلني… هو أن أجد الكيان السياسي… دولة القانون… الأنظمة الاقتصادية – وكل الأنظمة ذات الصلة – أجدها تتفاعل مع حقوق الإنسان… أن تسعى الأمم المتحدة بحيوية… بنشاط ساري المفعول..للحد من الحروب.. الأمية.. البطالة، من الفقر، الجوع، المرض، ومن الإنفاق العسكري.. أن تقاضي الهيئةُ الاستغلال والاحتكار لدى المحاكم الدولية.. أن تطبق مبادئ العدل والمساواة.. أن تحفظ حق الحياة والخصوصية للفرد والمجتمع.. لأن طاقات الإنسان لا تعمل إلا بأسبابها الموجبة… فالأسباب تمكّنه أن ينتج.. أن يصنّع.. تمكّنه أن ينقد.. أن يضيف… تمكّنه أن ينتظم ويعتني.. وتمكّنه أن يرعى شخصه… ويرعى الآخرين من حوله… نعم، ما بدا نظاما عالميا جديدا… يتأسس على التلازم الأممي بموجب العهود والمواثيق الدولية… يتفعّل بالتناظم والتضابط بين الدول الأعضاء، ويريد أن يكون نافذا ومسؤولا… ما بدا كذلك، أصبح معادلة صعبة تبحث عن حل!! فأنت تلاحظ البَينِيّة في ممارسات حقوق الإنسان..!! تشاهد ترجمة للتفاضل اللاموضوعي…!! تتابع التنفيذات الاعتدائية غير المبررة…!! هذه الإحصائيات المسجلة أبعد ما تكون عن مقاصد الأمم المتحدة “الدستورية- الإنسانية- الأخلاقية- التعاونية- المدنية- التعايشية…” المقاصد التي أجمع عليها المكوّن الدولي… بمعنى، أن ما يلحُّ عليه هذا الطرح، هو أن يتمتع الإنسان بهوية تستجيب لها توظيفات العقل السياسي… أن يتخطّى مفهومُ المواطنة حدودَ الجغرافيا… أن تباشر الشعوب المتابعة الدقيقة… أن يضاعف المواطنون الرقابة الدستورية… أن تحاكم الأنظمةُ الديمقراطية الإداراتِ السياسية بقوة القانون… حتى ينفذَ التشريع الرسمي..أولا، ولكي نحافظ على المرتكزات الوطنية ..ثانيا، وبغية أن تتأمّن الثوابت التاريخية.. ثالثا، وأن يسري المعروف الاجتماعي.. رابعا……

ما تفترضه مسؤولية هيئة الأمم المتحدة.. دورها.. موقعها القانوني.. أن تلاحظ المراد الشعبي… المبتغى الاجتماعي… فيما يخص الإنسان من تشريعات وخدمات… من حقوق وواجبات… تخدم مفهومية المواطنة، بما تعنيه من علاقة بين الوطن والمواطن… بين الحكومة والشعب… فالمواطن الصالح، هو الشخص الموصوف بالتمدّن… هو من يزوّدنا بالدراسات المتخصصة… من يساعد في رسم المشروعات التنموية للدولة… من يشارك في رفع مستوى مجتمعه الحضاري الذي ينتمي إليه سواء بالعمل الرسمي أو التطوّعي، ومسايرة لهذه السياقات، فإن ما يلزم الشخصيات الدولية، هو أن تعمل على ترسيخ المفهوم الوطني لدى شعوبها بشكل ممنهج ومكثّف، أعني أن يكون ضمن الخطط والبرامج…بطابع مؤسسي.

بالطبع لا يكفي في عمل هيئة الأمم المتحدة أن تُصدر الأنظمة الضبطية… وأن تضيف إليها بشكل دوري… لا يكفي أن تقرأ المادة القانونية في أجهزتها المتهيكلة… في مؤسساتها العاملة –مثلا- “مجلس الأمن الدولي- منظمة الأغذية والزراعة- منظمة العمل الدولية- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة- منظمة الصحة العالمية- منظمة الأمم المتحدة للطفولة- منظمة السياحة العالمية- المنظمة العالمية للملكية الفكرية- صندوق النقد الدولي- الاتحاد الدولي للاتصالات- برنامج الأغذية العالمي- برنامج الأمم المتحدة للبيئة- المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين… وغيرها” هذا كله لا يكفي ما لم تكن هذه الهيئات.. المفوضيات.. البرامج… قادرة على حماية حقوق الإنسان… ما لم يكن في استطاعتها أن تحاسب القوى العظمى على التجاوزات.. الاختراقات.. على مخالفتها.. للقانون الدولي، فما يعوز الهيئة، أنها لا تمتلك سلطة تنفيذية ملزمة في تطبيق القوانين بصورة عادلة.

اليوم..؛ كم يتساءل الفقير.. المريض.. الأمي.. المحروم.. المشرّد.. اللّاجئ.. الأسير.. المعدم… وكم تتسائل الأمومة… الطفولة…؟؟!! ما هي السياسات التي تعتمدها الحضارة العالمية الحديثة في نظرتها للإنسان..؟؟!! وما محدداتها…؟!، يُشار إلى أن الإنسان الموصوف بالعالمي، لا يجب أن نختصره في تقنيّات التواصل الحديثة ” الهاتف- الناسوخ أو الفاكس- البريد الالكتروني- الطائرة- السيارة- القطارات السريعة- السفن….” هذا كله -وغيره- جيد جدًا… ومهم للغاية..، لكن ما هو أهم… وما يلزم بدرجة أكبر… أن يحسّ… أن يشعر.. كل فرد بانتمائه إلى عالم يعتقده متحضرا..متمدّنا..لكن علامة التحضّر –كما يراها… وهي كذلك- أن تضع الجميع على مسافة واحدة في هيئة الشؤون الإنسانية… لكن هذا المبحث، هو الحلقة المفقودة هنا؛ تقول رؤيته: لا معنى لمفهوم الحضارة إذا لم تساوِ بين الإنسان من هو في أدغال أفريقيا السمراء، تساويه بأخيه من هو في مدينة واشنطن ونيويورك، لا معنى للمدنية العالمية ما لم تعتنِ.. لم تهتم.. بالإنسان من هو في كمبوديا.. تشيلي.. أحياء الهند الفقيرة.. بعض بلدان الشرق الأوسط.. على نحو ما تعتني.. تهتم.. بالإنسان في اليابان.. كوريا الشمالية.. النرويج… ما أريد تأكيده، هو أن السياسة – اليوم – بحضورها العالمي الواسع، قد أثّرت كثيرا على المسألة الإنسانية كاهتمام دولي.