جمال إمام -
في توقيت دقيق حدثت المفارقة.. انتهت المهلة التي وضعتها الولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين، حيث رفض الجانبان الانخراط في المزيد من المباحثات..
ليقابلها إعلان حركة فتح وحركة حماس تنفيذ اتفاق للمصالحة بين الطرفين ينص من حيث المبدأ.. على تشكيل حكومة كفاءات موحدة مطلع شهر يونيو المقبل، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية العام الجاري 2014
* كيف يمكن أن نعتبر ذلك تطورا دراماتيكيا في الملف الفلسطيني..
* وإلى أي مدى يمكن أن يتحول الاتفاق إلى نتائج ملموسة على الأرض..
وإذا حدث ذلك رغم الصعوبات التي يمكن تعرقل الاتفاق..
* ما هي الشكوك التي تحيط بمستقبل المصالحة الفلسطينية.. الواقع أن هذه الأسئلة وغيرها تعبر عن الإشكالية التي يمكن أن تواجه السلطة الفلسطينية التي عليها أن تحدد موقفها بوضوح.. هل هي مع المفاوضات ومن بعدها وعود السمن والعسل..!!
أم مع المصالحة ومن بعدها مواجهة المتغيرات وقتها لكل حدث حديث حتى مع تحذير أمريكي بإعادة النظر في المساعدات إن تشكلت حكومة وحدة وطنية..
من الواضح أن خيار الرئيس أبو مازن. كما تحدث في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية أنه لا يستطيع التخلي عن شعبه في غزة ولا عن المفاوضات مع إسرائيل كشريك في عملية السلام.. وهو يعني أن قلبه مع المصالحة وعقله مع المفاوضات.. هذه الخلطة لا تعجب إسرائيل بل وأثارت حفيظة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الذي أعلن رفض التفاوض مع أي طرف يضم حماس.. وهو ما يعني أن كل الأطراف لديها حساباتها الخاصة بها وكذلك أوراق الضغط التي تلعب بها..
* بالنسبة لإسرائيل يبرز التلويح بتجميد حل الدولتين وهو ما يسبب مخاوف شديدة للفلسطينيين..
لأن إخفاق المحادثات يثير الشكوك في تحقيق الهدف منها ومع وجود حماس في الحكومة الفلسطينية الوطنية ستصطدم إسرائيل بعدم اعتراف حماس بها.. ثم إن التفاهمات الإسرائيلية في مجال الأمن التي تنسق فيها إسرائيل مع السلطة الفلسطينية التي لم تعطلها إسرائيل في أية مرحلة توقفت فيها المفاوضات هي أكثر النقاط التي ستتضرر منها إسرائيل..
فإذا حصلت الأخيرة على الضمانات الفلسطينية على عدم اعتراض حماس على هذه التفاهمات وأظنها ستحصل عليها فإن جانب من المخاوف الإسرائيلية ستجد طريقها للحل..
* بالنسبة للفلسطينيين تبرز الورقة الدولية التي نجحت في كشف الرعب الإسرائيلي من توجه الفلسطينيين إلى عضوية المنظمات الدولية..
فإذا أضاف الفلسطينيون ورقة المصالحة فإن ثمة متغيرا مهما سيعمق من جراح الإسرائيليين (ويطير النوم من عيونهم)..!!
لتشكل هذه الضغوط منعطفا جديدا في حصار الحكومة الإسرائيلية وكشف مزاعمها بشأن تدمير المفاوضات والتي اعتقدت معها أنها اختطفت السلطة الفلسطينية وجعلتها أسيرة مفاوضات عقيمة لانهاية ولا أفق لها..
* هناك ورقة ضغط أخرى مهمة يمكن أن تلجأ إليها السلطة الفلسطينية، وهي تفكيك مؤسساتها وهيكلها القانوني.. لتكون إسرائيل مسؤولة قانونيا أمام المجتمع الدولي عن الشعب الفلسطيني وهو خيار صعب أن تتحمله إسرائيل لأنه إعلان عن مسؤوليتها في إفشال المفاوضات وستكون دولة بشعبين بدلا من محاولتها المستميتة تحقيق يهودية الدولة..
هذه التحديات يمكن أن تكون معها المصالحة الفلسطينية مقبولة ومضمونة خاصة مع ترحيب عربي إقليمي وشروط دولية (تتعلق كما أشرنا بالمصالح الإسرائيلية الأمنية)..
تتمثل في التزام الحكومة الفلسطينية (المقصود بها حماس ضمنا) بالحفاظ على الأمن والاستقرار بالمنطقة، ودعمها للتعايش الإيجابي مع إسرائيل..
وأعتقد أن إدارة الملف هذه المرة تختلف عن تجربة الانتخابات الفلسطينية في 2006 اليوم هناك اتفاق سياسي بين السلطة الفلسطينية، وحماس على أدوار سياسية محددة تقوم على التزام حماس الصمت الإيجابي فيما قد تقوم به القيادة الفلسطينية بخصوص ملف المفاوضات..
ظهر ذلك جلياً في الإعلان عن تبني الحكومة المقبلة لبرنامج الرئيس عباس في المفاوضات أو التحرك الدولي وهو ما يعطي حرية حركة ومناورة للرئيس أبو مازن..
والواقع أن ذلك يترتب عليه مع القبول بشروط الرباعية الدولية وحل الدولتين، فرص جيدة لتشديد عزلة إسرائيل السياسية، ودعم التوجه الفلسطيني للانضمام لباقي المنظمات الدولية..
أعتقد أنني مع نجاح خيار المصالحة حيث أصبح مطلباً شعبياً ملحاً تجمع عليه مختلف القوى السياسية الفلسطينية مدعومة بطموحات الشارع الفلسطيني الذي يتوق إلى تجاوز إحباط فشل المفاوضات، وليقدم بديلاً لسيطرة إسرائيل على صناعة القرار الخاص بالملف الفلسطيني مدفوعاً بنجاحات فلسطينية في رفض تمديد المفاوضات والإصرار على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين والترحيب الدولي بتوسيع مساحة انضمام السلطة الفلسطينية إلى المجتمع الدولي عبر منظماته المختلفة..
ومع ذلك هناك تحفظات مهمة ينبغي مراعاتها فيما يخص زيادة سقف التوقعات بالنسبة لمستقبل المصالحة واستمرارها..
فالتحديات كثيرة والمناخ العام يختلف عن التعامل مع التفاصيل خاصة حول النقاط التي تعرض لها تقرير «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» عن المصالحة الفلسطينية بين حركتي «فتح» و«حماس»..
وقد تحدث عن أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات بشأن أبعاد العلاقة بين الحركتين في ما يخص السيطرة على غزة، والمعابر، وكيفية دمج أجهزة الأمن، وغيرها..
لكن يبقى الأمل الذي تقدمه هذه المصالحة التي يؤكد الجانبان المضي في تنفيذها مهم جدا في توقيت المصالحة ونتائجها المنتظرة إذا أحسن صناع القرار الفلسطيني إدارة المائدة المستديرة حول القضايا والملفات العالقة والتراكمات المختلفة..


