عن أي دولة قائد يتحدثون؟!

د. عبدالعاطي محمد -

في سياق الساعات الطويلة التي خصصها المرشحان لمنصب الرئاسة المصرية لعرض تصورات كل منهما لقيادة البلاد في حالة فوزه، كان نصيب الدور العربي لمصر قليلا أو خافتا قياسا باهتمام كل منهما بالأوضاع الداخلية، وليته توقف عند ذلك، ولكنه جاء تكرارا للخطاب القديم حول دور مصر القيادي في وقت لا تبدو فيه أي مؤشرات حقيقية على إمكان تحقيق هذا الدور!، مما يضع علامات استفهام عديدة حول علاقات مصر المستقبلية بمحيطها العربي، ماذا تريد منه حقا، وما الذي تعطيه له، وكيف سيتعامل العرب مع مصر في ظل رؤية نفعية تأخذ أكثر مما تعطي كما تبدو من جانب مرشح الدولة عبدالفتاح السيسي، وأخرى أيديولوجية ثورية تجاوزها الزمن كما تبدو من مرشح الثورة حمدين صباحي.


وفي الحالتين كلاهما ينطلق من فرضية ترددت لعقود طويلة دون مراجعة ولم تعد الآن تقف على أرضية صلبة، وهي دور مصر كدولة قائد في المنطقة العربية.

من الطبيعي أن تتجه معظم التساؤلات التي وجهت لكل من المرشحين لمستقبل الوضع الداخلي في مصر نظرا للظروف الصعبة والتغيرات الحادة التي ارتبطت بوقوع ثورتين في نحو ثلاث سنوات فقط، ومن الطبيعي أن يتم التركيز على السياسات التي ينوي كل منهما أن يتبعها للنهوض بمصر من كبوتها الراهنة وخصوصا ما يتعلق بالاقتصاد والأمن. ولكن لا يمكن استبعاد أهمية الموقف من العالم الخارجي، عربيا كان أم أجنبيا لأن العلاقة بين الوضعين الداخلي والخارجي وثيقة للغاية، فكل دولة أو نظام تعمل في بيئة خارجية تتلقى منها عوامل تهديد وعوامل مساندة أو دعم. وما حدث أن التساؤلات حول الوضعين العربي والدولي كانت أقل مما هو مفترض، فيما يضع أولى علامات الاستفهام حول رؤية مصر شعبا وحكومة لكيفية التعامل مع المحيط العربي، فبينما طبيعة الظرف الراهن تتطلب اهتماما مصريا غير مسبوق بالدور العربي لمصر من ناحية وللدعم العربي لها من ناحية أخرى، مرت الرؤية المصرية للعلاقة بالمحيط العربي على المستوى الشعبي على وجه الخصوص مرور الكرام إن لم تكن تكاد منعدمة!. وفي هذا الإطار جاءت تساؤلات الشارع لكل من المرشحين في هذا الموضوع محدودة للغاية. وبينما كان من المفترض أن يسبق وعي كل من المرشحين وعي الشارع بحكم مؤهلات كل منهم السياسية والأوراق التي أعدها لتحقيق أهدافه من حكم مصر في حالة فوزه، فيعطيان اهتماما واضحا للبعد العربي ويطرحان تفصيلا رؤيتهما له، توقف كل منهما عنده بشكل محدود، وجاءت تصوراته مدعاة للتساؤل أكثر من الوضوح.

على سبيل المثال عندما سئل السيسي في هذا الصدد كان تركيزه منصبا على الاقتصاد والأمن والاستقرار باعتبارها أهدافا مرجوة من العلاقات المصرية ـ العربية أو أن كلا من مصر وبقية الدول العربية يتبادلان المنافع في المجالات الثلاثة (هكذا ستكون محاور التعاون مستقبلا). فقد أكد أن المحور الثالث في تمويل برنامجه لإنقاذ مصر هو المساعدات من الدول الشقيقة (يقصد العربية) والصديقة (يقصد الأجنبية)، وحرص على التأكيد على أهمية الدور الذي لعبه الدعم المالي العربي الخليجي طوال السنوات الثلاث الماضية في منع الدولة المصرية من الانهيار. ولأنه ممنون لهذا الدعم ويراهن عليه، فقد نوى أن تكون المملكة العربية السعودية هي أول دولة يزورها في حالة فوزه في الانتخابات. كما حرص على تأكيد التلاحم بين الأمن القومي المصري والعربي مشيرا إلى أن الثاني جزء لا يتجزأ من الأول.

وقال: إن الجيش المصري على أهبة الاستعداد للتدخل لصالح الأمن القومي في الخليج وفي جميع أنحاء الوطن العربي لو تعرض هذا الأمن للخطر. وفي أكثر من لقاء أكد أن الاستقرار مفيد لمصر مثلما هو مفيد للدول العربية لأنه يحافظ وينعش الاقتصاد عند الجميع، مع ملاحظة أنه أكد أيضا حرصه على استمرار اتفاقية السلام مع إسرائيل. ولا تخرج هذه الرؤية عن رؤية النظام القديم التي تجمع بين ثلاثية الاقتصاد والأمن والاستقرار، وتسمح لمصر بدور متميز في المنطقة اعتاد أنصار النظام القديم على وصفه بدور الدولة القائد. والمقصود بالنظام القديم هنا كلا من نظامي مبارك ومرسي، فالمعروف أن الأخير ردد الخطاب نفسه بعد توليه السلطة، وكانت السعودية هي أول دولة يزورها بعد فوزه بالرئاسة مباشرة.

وأما المرشح الآخر حمدين صباحي فقد طرح رؤية مغايرة يمكن وصفها بالثورية الوحدوية معيدا تراث عبدالناصر والقوميين العرب القديم. فلم يعوّل كثيرا على المساعدات العربية الخليجية ولا من الدول الصديقة، بل ركز على دور المصريين أنفسهم. ولكن ما هو أكثر جذرية إعلانه أنه سيسعى إلى إنشاء كيان بديل لجامعة الدول العربية.. «نسعى إلى صياغة اتحاد عربي جديد يتجاوز جامعة الدول العربية يحافظ على استقلال الدول ويربطها بالدفاع المشترك والتنمية والتعليم والثقافة ويوجد عملة عربية موحدة». وبدأ صباحي أكثر تطلعا من السيسي لما يسمى بالدور القيادي لمصر، فدعوته لتغيير النظام العربي على هذا النحو فيه رغبة صريحة لتغيير بنية الأنظمة الحاكمة كلها بقيادة من مصر الثورة كما يفهمها هو، بل من شأنها تغيير الموقف من إسرائيل حيث تحل المواجهة محل السلام، يقول: «سأحترم كل اتفاقية وقعت عليها مصر كدولة ولكن سيتم تعديل اتفاقية كامب ديفيد وفق القانون الدولي». وإيمانا بالدور القيادي يقول: «مصر هي كبيرة العرب وتتعامل بما تمثله من قدرات وما شاء به القدر وتسعى لدور خارجي يحقق مصالحها».

في الإطار السابق قد لا يتقبل كثيرون إخضاع علاقات مصر العربية للمناقشة والاختبار بغية نقد وتقييم التجربة منذ العهد الناصري وإلى اليوم لاستخلاص العبر والدروس والاستفادة من الأخطاء، ولكن الهدف من التقييم وقراءة المستقبل هو بناء هذه العلاقات على أسس صحيحة تستند للحقائق وليس لفروض يتم التسليم بها وكأنها أمر لا جدال فيه، خصوصا عندما يجري التعامل مع القضية بلغة الماضي نفسها وكأن شيئا لم يتغير.

وكما وضح من خطاب كل من السيسي وصباحي فإن التطلع المصري إلى دور قيادي بدا وكأنه أمر أقرب إلى الحقيقة المطلقة أو الفرض الذي يتم القبول به كمعطى في التحليل مع أن هذا وذاك ليس صحيحا، وآن الأوان لأسس واقعية يتعين أن تحكم العلاقات المصرية ـ العربية ليس من بينها الادعاء بالدور القيادي. فما هي الحجة للتدليل على هذا الطرح الجديد؟. نعلم ببساطة أن الدور القيادي يعني التأثير في التفاعلات القائمة داخل جماعة قد تكون أفرادا أو دولا. ولا شك أن القدرات أو الإمكانيات التي تساعد القائد على التأثير في الجماعة المحيطة به تختلف عن تلك بالنسبة للدولة التي تقوم بدور قيادي داخل مجموعة من الدول الأخرى. وحيث يهمنا النوع الثاني فإن قدرات الدولة القائد تشمل ما لديها من قدرات بشرية ضخمة وعلى مستوى عال من الكفاءة والموقع الاستراتيجي والعمق الحضاري والموارد الطبيعية، فضلا عن القدرات العسكرية الكبيرة والمتقدمة. وقد يحاجج البعض بأن مصر بهذه الشروط دولة قائد في المنطقة العربية. ولكن السؤال هو هل مصر حقا تتمتع الآن على الأقل وربما لعدة سنوات مقبلة بهذه المزايا؟ الإجابة بالقطع لا. فقدراتها الصلبة منقوصة حيث لديها جيش قوي ولكن اقتصادها بكل مجالاته ضعيف للغاية ويحتاج لسنوات لكي يستعيد عافيته. وقدراتها الناعمة أصبحت منعدمة، فالتعليم متدنٍ جدا والثقافة هزيلة على المستوى الإبداعي والفكري ولا تستطيع دولة أن تعيش على تراث الماضي الذي تآكل تقريبا فتدعي أن عمقها الحضاري لا يزال مؤثرا. وعلى الجانب الآخر فإن التفاعلات التي هي حقل التأثير المفترض للبرهنة على وجود الدور القائد غير موجودة، هي ضعيفة للغاية على المستوى الرسمي إلى حد اعتبارها غير قائمة ومنعدمة تماما على المستوى الشعبي. وفقدان التواصل على هذا النحو ليس وليد مرحلة الثورات وإنما يعود إلى فترات سابقة بكثير. إذا استبعدنا المرحلة الناصرية (انتهت عام 1970) حيث كان الدور القيادي واضحا بجلاء، فإن ما تلي ذلك من مراحل لم يشهد مثل هذا الدور. وقد تبدو هذه الملاحظة صادمة لكثيرين ولكنها من حيث الواقع لا يمكن نكرانها. لم ينجح السادات في إقناع العرب بالصلح مع إسرائيل، ولم ينجح مبارك في الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، ولا في تحقيق المصالحة الفلسطينية، كما لم ينجح مبارك في إقناع صدام بعدم غزو الكويت، وعندما جمع القادة العرب بعد الغزو توصل إلى إجماع ضعيف وعبر جهد عسير لإدانة الغزو وتأييد التدخل الأمريكي الذي بفضله فقط وليس بقدرات عربية أمكن تحرير الكويت. ولا حديث بالطبع عن تفعيل التكامل الاقتصادي العربي. وحديثا لم يكن لمصر أي دور فيما جرى في ليبيا واليمن وسوريا بحكم وقوعها في الإشكالية نفسها. وأما على المستوى الشعبي فلا حديث عن أي مظهر من مظاهر التواصل أو التفاعل بين مصر وبقية الدول العربية. ونظرة سريعة على اهتمامات الإعلام المصري منذ 25 يناير تؤكد أن المصريين يعيشون في جزيرة منعزلة عن محيطهم العربي. فعن أي دولة قائد يتحدثون؟!.