«عمان» تبحث عن إجابة للسؤال: ماذا ينقص القيادات الوظيفية في بلادنا؟

تحقيق – نوال بنت بدر الصمصامية -

يكثر الحديث هذه الأيام حول مصطلح صناعة القادة.. وكل ما يتضمنه من مواصفات وأبعاد، خاصة مع زيادة الاهتمام يوماً بعد يوم بمفاهيم التنمية البشرية التي تركز على تطوير الأداء الوظيفي والإنساني للقيادات والمديرين، ولهذا فإن الكثير من المؤتمرات والندوات عقدت وتعقد ليس على المستوى المحلي فقط بل وعلى المستوى العالمي بعد أن صار الأمر أكثر أهمية وصار لدينا ما يسمى بعلم صناعة القادة.

فمتى أكون قائدا؟ متى أجعل بيئة عملنا استثنائية؟ متى أصبح مؤسسا حقيقيا لأقنع الطرف الآخر بأن العمل يحتاج إلى همة وعزيمة؟ ومتى يتم تكريم ذلك الإنسان الذي يعمل ليل نهار وتحمل المسؤولية؟ ومتى… ومتى… ومتى؟

أسئلة كثيرة يطرحها الطامحون للوصول إلى قيادة مثالية لعلهم يريدون تحقيق التغير والتطوير والابتكار والإنجاز والإنتاجية في بيئة عملهم، للوصول إلى اليوم الذي ستحقق فيه الأمنية، ويجدون أنفسهم في موقع القيادة.

وبين هؤلاء من يحرص على رسم خطط استراتيجية معينة وعن طريقها يمكنه تحقيق الكثير من الإنجازات، ومنهم من يعمل بدون رؤية ولا خطط واضحة، ولهذا لا يتمكن من تحقيق الأهداف المنشودة وكأنهم جعلوا من القيادة مسمى فقط تتوقف أهميته عند المدلول اللفظي للكلمة، متجاهلين المعنى الحقيقي للقيادة وبذلك تجاهلوا العمل الحقيقي.

«ماذا ينقص القيادات الوظيفية في بلادنا؟» سؤال طرحته «$» في البرنامج التدريبي للتطوير الاستراتيجي لقادة المستقبل الذي نظمته مؤسسة عُمان للصحافة والنشر والإعلان ممثلة بمركز الدراسات والبحوث لمجموعة من المشاركين في قطاعات حكومية وخاصة وأهلية. الحصيلة في السطور التالية:

يقول المذيع إبراهيم بن سالم السالمي: يفتقر الكثير من قادتنا إلى معرفة تجارب القادة الآخرين الذين حققوا إنجازات باهرة في مجالات عدة من دول أخرى، مؤكدا أن القادة الحاليين يعانون من عدم اتباع منهج علمي في قيادتهم والاعتماد كثيرا على العشوائية، بسبب غياب تأهيل هؤلاء القادة وعدم إدراك بعض القادة الحاليين أهمية دور الشباب في الارتقاء بمؤسساتهم وتأهيلهم، إلا أننا ينبغي أن ندرك أن القيادة هي خدمة المؤسسة وتحقيق النجاح لها وليست مجرد غاية يسعى لها بشكل من الأشكال وبأي ثمن.

بينما تجيب المذيعة عايدة بنت عيسى الزدجالية بقولها: ينقص قادتنا المبادرة والإقدام ومعظمهم ينتظر ليقال له اعمل ولا أدري هل هو تهرب من المسؤولية.. أو لعدم تمتعهم بالقدرات والمؤهلات والإمكانيات الشخصية التي تؤهلهم للقيام بأعمالهم.

وأضافت الزدجالية: هناك سر وأستطيع انه أطلق عليه «سر الكرسي» فعلى الرغم من تمتع بعض الموظفين بالقدرة والإمكانيات إلا أنهم ما أن يجلسوا على الكرسي ويصلوا إلى المنصب وكأنهم ينفذون تعليمات استعمال ثابتة لا بد من التقيد بها لمن يجلس على الكرسي، وهو أمر مؤسف مثير للدهشة حقاً، لأن الشخص يتنازل حينها عن مبادئه التي كان يؤمن بها في سبيل الحفاظ على «الكرسي».

وتكمل: وجود الشخص غير المناسب في كرسي غير مناسب إحدى أهم العقبات التي تعترض تطوير الأداء في المؤسسات وهو ينتج إما عن سوء تقدير أو سوء تقدير من المسؤول الأعلى للموظف الذي عينه «قائدا» أو من باب المحاباة أو المجاملة أو لأن الموظف يحق له أن يتولى منصبا لأنه مستوفي الشروط القانونية إلا أنه غير مستوف للقدرات والإمكانيات والسمات التي تؤهله لذلك.

وترى الزدجالية أن التفكير الإبداعي هو أهم ما ينقص بعض قادتنا، وهو ما أطلق عليه «التفكير خارج الصندوق» وترى أيضا أنهم يفضلون الحفاظ على الأوضاع كما هي ولا يغيرون ولا يتغيرون، كما ينقصهم التواصل الإيجابي مع الموظفين وهو سبب في قلة التأثير لأنه يعد من أساسيات القيادة والتفكير الاستراتيجي.

بينما ينقلنا سعيد بن عبيد الدرمكي إلى منطقة أخرى عندما تحدث عن «تهميش الموظف» الذي يسعى دائما إلى ابتكار طرق جديدة في إنجاز ما يناط به من أعمال، وحرمانه من ترقية أو مكافأة نظرا لانتقاده آلية معينة في بيئة العمل أو مطالبته بمطالب لتحسين مستوى العمل.

ويقترح الدرمكي بأن يعمل المسؤولون بكفاءة وليس كمراقبين وموجهين دون الاكتراث لما يحتاجه الموظف من فرص وعوامل تساعده على النجاح والذي سيعود بالنفع على بيئة العمل، ويؤكد سعيد أن الحال يختلف معه تماما في المؤسسة فهناك تقدير وتشجيع دائم والأخذ بيد الموظف للتميز والتقدم ليقدم كل ما لديه من إبداع.

أما يافث بن حمود المسكري ومحمد بن حمد الحارثي فقد اتفقا في رأيهما على أن فن التعامل الراقي ورسم الخطط المستقبلية والخبرة في تنظيم إدارة العمليات، والتقدير لزملائهم هو ما ينقص القادة الحاليين مؤكدين أن الإنسان يحتاج إلى تقدير ليعطي أكثر ويحتاج إلى تعامل حسن وكلمة طيبة تدفعه لبذل المزيد وقد تكون «شكرا» كلمة صغيرة ولكنها تحمل الكثير لهم.

ويقول طلال بن عبدالله الشكيلي مدير إدارة الرقابة المالية: سعت الحكومة في السنوات القريبة إلى إتاحة الفرصة لجيل الشباب وتمكينهم من تولي وظائف قيادية في مؤسساتهم ليكملوا مسيرة بناء الوطن وبالتالي فإن وصول قادة شباب بتلك المؤسسات يرفع من سقف التوقعات المتوخاة، حيث يؤمل الكثير بتأهيل قيادات شابة كصف ثانٍ وتوسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار بالمؤسسات واختيار العناصر المناسبة لشغل الوظائف الهيكلية وخاصة أن الحكومة بذلت الكثير طوال السنوات الماضية في مجال التدريب والتأهيل وبالتالي فإنه من الأهمية أن تتم الاستفادة من هذه العناصر من أجل المساهمة في بناء عمان وعمان الغد.

وترى سلوى بنت أنور اللواتية من وزارة التجارة والصناعة أن القائد الناجح هو من ينمي طاقات فريق العمل للوصول إلى الأفضل في الإنتاجية لبناء قاعدة قوية مؤهلة، وقد يفتقد القادة بعض الخصائص لتحقيق الهدف للارتقاء، بالإضافة إلى الشفافية مع فريق العمل والتواصل ووضوح الرؤية لتحقيق الأهداف البعيدة المدى والاستفادة من الخبرات، مشيرة إلى أهمية إقامة العديد من الدورات وحلقات العمل التي تنمي قدرات العاملين.

ويشاطرها الرأي مازن العامري من الدفاع المدني قائلا: الضعف في اتخاذ القرار وعدم معرفة القائد بدوره الحقيقي وعدم معاملة جميع الموظفين معاملة واحدة وهذا ما شكل بعض الخلافات والحساسية بينهم إلى جانب عدم رفع المعنويات لدى الموظفين عن طريق الحافز المادي أو المعنوي، بعض القادة لا يتحلون بمهارات في التعامل مع الأخطاء البشرية.

ويقترح العامري تنظيم برنامج تدريبي عن أساسيات اتخاذ القرار وحلقات تطبيقية عن كيفية التعرف وحل المشاكل بطريقة إيجابية بالإضافة إلى برامج تدريبية عن إدارة الأزمات والكوارث للقائد.


أما علي بن سعيد العبري – نائب مدير دائرة شؤون إدارية فيقول: ينقص قادتنا بيئة العمل التي تساعد على إنجاز المهام واللامركزية في العمل، وتنقصهم أيضا الرؤية العامة للمؤسسة بالإضافة إلى التأهيل والتدريب والقدرة على استقطاب الكوادر الفعالة.

ويتمنى خالد بن عبدالله المحاربي أن يسهم القادة الحاليون في تطوير قدرات فرقهم وإعدادهم ليكونوا جاهزين لتولي قيادة فرق عملهم الخاصة، لأنه تنقصهم القدرة على صنع فريق العمل المناسب.

وتؤيده الرأي يسرى بنت صالح الغيلانية عضوة بجمعية المرأة العمانية بصور مشيرة إلى وجود حلقة مفقودة في كيفية توظيف القيم والسلوكيات التي تدفع الموظفين وتحفزهم من أجل إيجاد بيئة إبداعية ابتكارية ذات استمرارية في الإنتاج ويمكن اختصارها في العطاء اللامحدود، موضحة أن هناك بعض القادة عندما كانوا موظفين يقولون: لو كنا قادة سنطور وسنغير ويكون الوضع أفضل ولكن عندما يصلون إلى القيادة ويتسلمون المنصب لا يغيرون ولا ينفذون ما وعدوا به، وتتغير معاملتهم حتى مع زملائهم المقربين، بل أن منهم من يخطئون ولا يعترفون بخطئهم، ومنهم من يريد إنجاز العمل بسرعة ولا يفكر في مستوى الجودة، وفي النهاية يتفرغون لسرد الانتقادات ربما بطريقة غير منطقية ويحاولون أن يثيروا انتباه الآخرين للاستماع إليهم حتى يعرفوا نقاط ضعفك!

وترى الغيلانية أن بعض القادة يذكرون زملاءهم بعدد سنوات خبرتهم ويحاولون التأكيد على أنهم الأفضل وغيرهم لا يعرف عمله، وبذلك يقلل بعض قادتنا من قدرات زملائهم وتقديرهم ولا يستفيدون من طاقة الموظف بطريقة صحيحة.

بينما قالت عزيزة الحبسية الرئيسة التنفيذية لمؤسسة المرأة العربية للخدمات الإعلامية: من الضروري أولاً للقادة الحاليين أن يكون لديهم إيمان بأنفسهم وبقدرتهم على العطاء، ولا شك أن هناك الكثير من الطاقات القيادية المبدعة بين الشباب العمانيين.

وتشير الحبسية إلى أن الشعور بالقيمة المضافة التي يمكن أن يحققها القائد هو ما يمكن أن يصنع منه قائدا حقيقياً يتوقع منه الكثير من الإنجازات بالمستقبل ومن الضروري أن يشعر بأنه ليس عبئا على وطنه وأن يتم احتضانه بإيجابية ومثمرة حتى يمكنه أن يقدم الكثير.