توعية المجتمع بمكافحة الفساد

حيدر بن عبدالرضا اللواتي -

haiderdawood@hotmail.com -
يلعب الفساد دورا سلبيا كبيرا في تعطيل وعرقلة مصالح ومنافع الناس والمجتمعات، ويؤثر تأثيرا سيئا في تبديد موارد الدول نتيجة للخلل الذي يصاب المؤسسات من جراء تفشي هذا المرض، بل ويمتد آثار الفساد ليشمل كل فرد في المجتمع بشكل أو بآخر. وهذا ما نراه اليوم في بعض المجتمعات التي تعرضت للفساد وأصبحت تعاني من البيروقراطية والتعقيدات في العمل الإداري بسبب تفشي الفساد بين العاملين في مؤسساتها، ويكون ضحيته أولئك الذين يلتزمون بالقوانين والأسس التي يتطلب منهم العمل بها، بينما ينعم المفسدون بنتائج تفشي الفساد نتيجة للتلاعب والغش والرشوة. فكم من فئة صغيرة من الموظفين والعاملين في بعض المؤسسات الحكومية اضروا بمصالح الناس، وتركوا معاملاتهم القانونية لينجزوا المعاملات غير القانونية للمرتشين، وبالتالي أصبح صاحب المعاملة متأخراً في إنجاز عمله، بينما يتقدم الآخر في معاملته نتيجة للغش، ونتيجة لذلك أصبح البعض يعاني من التعقيدات والإجراءات التعجيزية، وبذلك يخسر مشاريعه بسبب هؤلاء القلة من الموظفين، وبالتالي تتهرب الاستثمارات ويتراجع نمو الاقتصادات أيضا. وبدون استثناء فان الفساد يمكن أن يشمل أي مؤسسة في غياب التوعية الحقيقية لمضار هذه الآفة التي يمكن أن تستشري في بدن المؤسسات الحكومية والشركات إذا ترك الأمر على غاربه وابتعد المجتمع عن النصح بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر الذي يمكّن الفساد بأن يتحرك كالأخطبوط ويقضي على إنجازات المجتمع والدولة، وهنا يتطلب بتر جميع أطرافه الفاسدة.


ونتيجة لذلك تعقد المؤسسات الحكومية العديد من الندوات والفعاليات لتوضيح مضار الفساد الذي يؤدي إلى شراء ذمم الناس والمسؤولين وأصحاب المؤسسات والشركات. واليوم أصبحت التجربة لدينا واضحة في ضوء القضايا التي ترفع إلى المحاكم شهرياً، والقرارات التي يتم تنفيذها في حق المفسدين، الأمر الذي يتطلب تكثيف حملات التوعية في المؤسسات، وفي مختلف وسائل الإعلام لتوضيح مضار هذا المرض الذي يمكن أن ينتشر بين الكثير إذا لم يتم توضيح جميع مضاره في حق الحكومات والمجتمعات والناس وأصحاب المصالح.

ونشيد هنا بحلقة عمل التي نظمتها وزارة العدل والادعاء العام مؤخراً حول مكافحة الفساد، والتي ناقشت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بمشاركة عدد من الجهات المعنية في البلاد، حيث أدار هذه الحلقة خبير قسم الفساد والجرائم الاقتصادية في مكتب الأمم المتحدة، واستعرض من خلالها متطلبات الفصل الرابع من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والأحكام المتعلقة بالتعاون الدولي. ومثل هذه الفعاليات تستهدف في المقام الأول تطوير قدرات المشاركين والتوضيح لهم في كيفية تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وتزودهم بالمعرفة والخبرة الفنية اللازمة حول احكام الاتفاقية ليتمكنوا من القيام بالاستعراضات القُطرية والخضوع إليها. كما تهدف مثل هذه الحلقات إلى قدراتهم على بناء قدرات المشاركين في مختلف المجالات التي تهم الفساد وكيفية محاربة أذرعه.

فالفساد كما هو معروف عنه وفق آراء الخبراء أنه يقوض الديمقرطية وسيادة القانون ويهدد اقتصاديات الدول وزعزعة العدالة الاجتماعية، ويؤدي إلى تأخر التنمية. وقد تحدث المشاركون في الحقلة عن المعاناة التي تتعرض لها الدول من هذه الآفة غير الحميدة، الأمر الذي تطلب من دول العالم إلى إصدار هذا الصك الدولي لمعالجة ومكافحة هذه الجريمة وأطلقت عليه مسمى (اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد) حيث تضم الاتفاقية عدداً كبيراً من الدول من ضمنها السلطنة بحيث وصل عدد أعضائها اليوم إلى ما يقارب من 171 دولة. ومما لا شك فيه فان اتفاقية مكافحة الفساد هي أول صك عالمي حقيقي لمكافحة الفساد وشامل أكثر من أي شيء، وأنها فريدة من نوعها ليس فقط في تغطيتها لجميع أنحاء العالم، بل أيضا في اتساعها وتفاصيل أحكامها التي تعتبر ذات أهمية خاصة بالنسبة للبلدان التي لا تغطيها الاتفاقيات الإقليمية، وأن تنفيذ هذه الاتفاقية يعتمد إلى حد كبير على التزام عدد كبير من الجهات الفاعلة في الدول والأطراف فيها، ويجب أن تكون معلومة من قبل جميع تلك الأطراف الفاعلة المعنية. كما أن هذه الاتفاقية توفر إطاراً شاملاً ومتماسكاً للعمل المحلي والإقليمي والدولي لمكافحة الفساد، وتضمن أحكاماً محددة تتطلب من دول الأطراف وضع تدابير وقواعد وأنظمة لإقامة هياكل منع الفساد وأدوات لازمة لضمان نظام تنفيذ فعال.

ولا شك أن انضمام السلطنة إلى هذه الاتفاقية يأتي لتعزيز عمل دولة المؤسسات وترسيخ الأنظمة القانونية والتنظيمية لمكافحة الفساد ووضع مجموعة شاملة ومعايير وتدابير وقواعد تكافح هذه الجريمة، في الوقت الذي تستفيد منه السلطنة بعضويتها من المؤسسات الإقليمية والدولية الأخرى في هذا الشأن، والتي تجرم أي نوع من فعل الفساد والشروع فيه، وتنص على معاقبة الفاعل الأصلي والشريك والمساهم في ارتكاب مثل تلك الجرائم. كما أن التشريعات العمانية حددت هي الأخرى إجراءات المحاكمة العادلة وضمنت للمتهم الضمانات القانونية له، كما حددت إجراءات انقضاء الدعوى وتقادم المدة المحكوم بها، كما كفلت القوانين الوطنية الإجراءات الرادعة لهذه الجريمة والتدابير الوقائية لها وفق تصريحات المسؤولين العمانيين في تلك الحلقة.

ومع استمرار عقد مثل هذه الفعاليات، فان المجتمع والمؤسسات المعنية تستطيع ملاحقة المزيد من عمليات الفساد التي تقع في المجتمعات من خلال تجسيد مبادئ سيادة القانون، والإدارة السليمة للشؤون العامة والممتلكات العامة، والعمل بالنزاهة والشفافية، والاستمرار في المساءلة وغيرها من الطرق التي تهم جميع الأطراف. فاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تدعو الدول أيضا إلى العمل بنشاط على تعزيز مشاركة المنظمات غير الحكومية والعناصر الاخرى للمجتمع المدني، ورفع مستوى الوعي العام لمكافحة الفساد، حيث تجرم الاتفاقية أفعال رشوة الموظفين العموميين المحليين، والأجانب والموظفين العموميين في المنظمات الدولية، وعمليات الاختلاس، وسوء توزيع أو استخدام الممتلكات العامة للأغراض الشخصية، وممارسة النفوذ التجارية، وسوء استعمال الوظائف، والثراء غير المشروع، والرشوة في القطاع الخاص، واختلاس ممتلكات القطاع الخاص، وغسل الأموال والعائدات المتأتية من تلك الجرائم، والتكتم، وعرقلة سير العدالة بما في ذلك المشاركة أو محاولة عن قصد في أي جريمة من هذا القبيل منصوص عليها في الاتفاقية. كما تحدد الاتفاقية مسؤولية الأشخاص عن تلك الجرائم والعقوبات الجنائية أو غير الجنائية، بما في ذلك الغرامات المالية، و توسيع نطاق قانون التقادم في حالة فرار الجناة من وجه العدالة.

وعموما فان نجاح هذه القضايا وغيرها مرتبط بعملية تنفيذ الأحكام القضائية، وإلا ستبقى قضايا الفساد والغش والرشوة وغسل الأموال تتفاعل في المجتمع. ومن هنا فان الحلقة أعطت الفرصة الكافية للمشاركين في المجتمع بالاطلاع عن قرب على متطلبات تنفيذ هذه الاتفاقية وآلية الاستعراض فضلا عما أتاحته لهم من تسهيلات كبيرة في إمكانية طرح التساؤلات التي تعنى لفريق الخبراء، والحصول على الإجابات اللازمة، الأمر الذي يساعد ويسهل من معرفة الأسس والمعايير والمتطلبات اللازمة لمكافحة الفساد. إن انضمام السلطنة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بموجب المرسوم السلطاني رقم 64/2013 يلزمها اليوم بتوفيق قوانينها الوطنية مع أحكام الاتفاقية، وهذا ما يتم العمل به وتحقيقه في الفترة المقبلة.