د. محمد رياض حمزة -
dirwa2000@yahoo.com -
تعاني معظم دول العالم بنسب متفاوتة من الفساد الذي يمارس من قبل أفراد ومؤسسات وشركات وبنوك على المستويين العام والخاص، ويأتي ارتكاب جرائم الفساد بأساليب وسلوكيات لا حصر لها وان كان معظمها يقترن بسرقة المال العام، غير أن هناك عددا من المنظمات الدولية غير الحكومية بدأت منذ عام 2001 برصد ومتابعة تقييم دول العالم وفق مضامين أخرى لها علاقة بالأسباب التي تسهل على المفسدين جرائمهم. فمنظمة الشفافية العالمية جمعت خبراء من دول العالم كافة لتحليل ظاهرة الفساد في مختلف الأنشطة الاقتصاد القطاعية وصدر عنها «التقرير العالمي للفساد» الذي يعتبر أحد أهم مصادر تقييم الالتزام بالشفافية، كما توالى صدور النشرات والتقارير على المستوى العالمي التي تناولت أثر الفساد على: التغيير المناخي ( تقرير2011)، وفي أنشطة القطاع الخاص (تقرير 2009)، وفي انحراف القضاء (تقرير 2007)، وفي الصحة (تقرير 2006). وكان أحدثها « التقرير العالمي حول الشفافية والفساد الخاص بالتعليم 2013)
وخلال أحد عشر عاما من صدرت العديد من الاصدارات عن الفساد والشفافية ومختلف التحليلات التي تناولت هذا السلوك المستشري على صعيد العالم، وجد أن الدول التي تتمتع بالاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي هي الأقل فسادا، كما أن لعدالة توزيع الدخل القومي أثرا في الحد من الفساد، وأن الدول الأكثر سكانا والأقل موارداً تكون عرضة لممارسات الفساد. ووجد أن سرقة المال العام أواستغلاله للمنافع الشخصية من بين أكثر الممارسات شيوعا في الدول النامية.
• يُعرف «مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة» الفساد: «بأنه ظاهرة اجتماعية، سياسية، واقتصادية غاية في التعقيد موجودة في دول العالم أجمع، يسببها واقع اقتصادي متردي ينتج عنه حالة من عشوائية النظم الإدارية والمالية وغياب سيطرة الحكومات على الأنشطة الانتاجية والخدمية». ويمكن تلخيص الأسباب التي تؤدي إلى السلوك المنحرف من قبل الأفراد والمؤسسات الحكومية والشركات الخاصة بما يلي: • السياسية التي تتمثل بضعف مؤسسات المجتمع المدني وأثرها في الحياة السياسية، وضعف تطبيق القانون والتشريعات المنظمة للأنشطة الاقتصادية والمالية، وعدم الشفافية في مختلف الأمور التي يجب الافصاح بشأنها.
• الاجتماعية: تؤثر قيم المجتمع والعادات والتقاليد والموروثات من الأعراف، وما يتعرض له المجتمع من كوارث وأزمات توجد آثارا مدمرة في المجتمع من فقر وحاجة … كلها تتسبب بجنوح الأفراد والمؤسسات لارتكاب أفعال الفساد.
• الاقتصادية: تعتبر الحالة الاقتصادية التي يمر بها المجتمع سواء لنقص الموارد البشرية والمادية والكساد والحصار الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، أو نشوب الحروب والصراعات الداخلية الاقليمية وبعض السياسات الدولية المسببة للحروب جميعها تؤدي إلى ممارسة أنواع من الفساد المالي والاقتصادي.
ولعل أول من تصدى للفساد تشريعاً ومنهجاً للعدل هو القرآن المجيد، إذ وردت فيه أكثر من خمسين آية في مختلف السور تذم الفساد والمفسدين، ولعل أكثرها وضوحا قوله تعالى في سورة الروم «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ». ويقترن السلوك المنحرف بالنفس البشرية، لنقرأ من سورة يوسف قول عز من قائل «إنَّ النَفْسَ لأمّارَةٌ بالسُوءِ إلّا ما رَحم رَبّي».
ومفردة الفساد باللغة الإنجليزية (Corruption) استخدمت في محاضر القضاء الإنجليزي منذ القرن الرابع عشر الميلادي وفي عدد من الدول الأوروبية، هذه المفردة أخذتها اللغة الإنجليزية الوسيطة عن اللغة الفرنسية الوسيطة التي أخذتها عن اللغة اللاتينية بمعنى «الغش والخداع والسرقة والكسب غير المشروع والتستر على الجرائم بأنواعها».
ومع التطور الذي تواصل على مدى أربعة قرون وتَشَعُّب وتَعَقُّد علاقات الإنتاج، والتجارة بين دول العالم، ووصولا إلى النصف الثاني من القرن العشرين وظهور ما يعرف ب “العولمة الاقتصادية” فإن سيطرت الحكومات على الأنشطة المحلية والخارجية بدأت تضعف لأسباب كثيرة، وكانت النظم السياسية غير المستقرة من أهم عوامل استشراء الفساد.
يأتي الفساد الاقتصادي على عدد غير قليل من السلوكيات وأن أخطرها تلك التي يعتقد مرتكبوها وهم في الغالب أفراد متنفذون أو شركات مسيطرة، أن الاستحواذ على المال العام بأساليب مخالفة للقانون مباحة لهم وليست جرائم، ورُفِعَت للقضاء، في مختلف دول العالم العديد من قضايا الفساد في استغلال المنصب وسرقة المال العام، وتجريم الشركات في تحقيق الربح غير المشروع.
في عددها الصادر يوم 6 أبريل 2014م رتبت دراسة حديثة صدرت عن مركز الدراسات والبحوث بجامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية بالمملكة العربية السعودية عشرة أنماط للفساد الإداري والمالي في القطاعات الحكومية، وجاءت الأنماط العشرة للفساد الإداري الشائع في الجهات الحكومية مرتبة على النحو التالي: الواسطة، والمحسوبية، استغلال النفوذ، الرشوة، المتاجرة بتأشيرات العمل، إساءة استعمال السلطة، التزوير، الاعتداء على المال العام، أخذ العمولات مقابل عقود المشتريات الحكومية، تعطيل سير العمل لأسباب شخصية، تسهيل عمليات تهريب المخدرات أوالممنوعات الأخرى، وجاءت الواسطة والرشوة في المقدمة لأنها أصبحت أسلوب حياة، ولا يمكن انجاز أيّ عمل بدونها».
ومن صور الفساد الاقتصادي في الدول النامية التي تجرب التحول من النظام المركزي في إدارة الاقتصاد إلى نظام السوق تأتي صفقات الخصخصة «وهي إحدى صور الفساد الاقتصادي فعملية خصخصة الممتلكات العامة تعتبر أحد المصادر المهمة للكسب غير المشروع والتي يركبها مسؤولون لصالح القطاع الخاص. وان أردنا أن تعداد السلوكيات المخالفة للقوانين والتي تعتبر فسادا في دول العالم، لما تمكنا من إحصائها.
وحددت منظمة الشفافية من جانبها عددا من مظاهر الفساد وهي كثيرة ومتباينة الأساليب ومتعددة الأهداف كالرشوة والمحسوبية والتكسب باستغلال المنصب والمحاباة وسرقة واستغلال الممتلكات العامة والواسطة على حساب الغير. واساءة استخدام السلطة الرسمية واستغلال النفوذ وعدم المحافظة على أوقات العمل والاستيلاء على المال العام والابتزاز والتهاون في تطبيق الأنظمة والتشريعات أوتطبيقها على البعض دون الآخر.
وصدُرت منظمة الشفافية الدولية
( Transparency International Report) تقريرها لعام 2013 الذي تضمن تحذيرا من أن إساءة استخدام السلطة، والتعاملات السرية، هي مشكلات مستمرة في تخريب المجتمعات في شتى أنحاء العالم. وجاء فيه « إن أكثر من ثلثي 177 دولة مشمولة بمؤشر 2013 أحرزت أقل من 50 نقطة، على مقياس من صفر إلى 100 وجود تصور بدرجة عالية من الفساد ووجود تصور بأن الدولة نظيفة للغاية.
وقال تقرير الشفافية الدولية ان الفساد في القطاع العام ما زال من بين أكبر التحديات العالمية، لا سيما في مجالات مثل الأحزاب والمنظمات السياسية والأجهزة الأمنية ونظم القضاء.. وحذرت الشفافية الدولية من أنه سوف تواجه الجهود الرامية للتعامل مع التغير المناخي والأزمة الاقتصادية والفقر المدقع عقبات كبرى تتمثل في الحد من الفساد. ويتعين على الكيانات الدولية مثل مجموعة العشرين مكافحة أنشطة غسل الأموال وأن تجعل الشركات الكبرى أكثر شفافية وأن تسعى لاسترداد الأموال المسروقة.
إن الآلاف من الدراسات والتقارير التي كتبت وتكتب ونشرت وستنشر والندوات والمؤتمرات المحلية والدولية التي نظمت وستنظم عن مكافحة الفساد، يبدو أنها لم تفعل الكثير في الحد منه، حتى إن المتابع لممارسات الفساد المالي والاقتصادي ليدرك أن الواقع يشير إلى أن الفعل المخالف للقانون تحول إلى وسيلة للكسب الذي يركن عليه عدد غير قليل من الناس في الدول المصنفة «الأكثر فساداً».


