الأختام وثقافة الممنوع

علي بن راشد المطاعني -

ali.matani2@gmail.com -

في كل بلد هناك ما يشير إلى ممارسات مرسّخة فيه سواء كانت هذه الممارسات أو تلك متوارثة أو متناقلة من التطورات الحديثة والسرية، فالممنوعات إحدى هذه الظواهر التي طرأت على مجتمعنا في خضم الثورة الحديثة، وهي تعكس بالطبع كيفية التعامل مع الأمور وسلوك الأفراد من أعلى الهرم إلى أدناه، ومن بين ما نشهده لدينا تعدد الأختام التي تطبع على الأظرف، فهناك أنواع كثيرة كلها تنبض بالممنوع مثل “سري للغاية” و”لا يفتح إلا من صاحب العلاقة “وممنوع تداول” و”خاص جدا” و”محظور”، وغيرها من قوائم الممنوعات، هذه الأختام تعكس ثقافة العمل الإداري القائمة على الكتمان في العمل والسرية المطلقة والأعمال، ولكن مهما كانت أهميتها لماذا تدمغ بهذه الأختام التي تصبغها بالسرية تارة والخصوصية تارة أخرى، فهذه المطبوعات لا تنشر ثقافة السرية والممنوعات في نفوس الموظفين على اختلاف مستوياتهم فحسب، بل أصبحت سلوكا يتطبع كل يوم في أذهاننا، فإلى متى سنظل ندور في فلك الممنوعات وما تحمله من غموض في العمل.


فبلا شك إن الأختام ليست صكوكا تختم بها الرسائل وتشمّع بها الأظرف وإنما لها تاريخ عريق في حياة الشعوب والأمم، ولها دلائل في حياة البشر كافة، وكل الشعوب لها ما يميزها من الأختام التي بالطبع تعكس ثقافتها وتعاملاتها مع الناس، إلا أن ما نلحظه من الأختام التي تتداول في جهاتنا ومؤسساتنا أغلبها يعكس طابع السرية والممنوعات رغم أنه ليس في هذه المراسلات أو تلك ما يوحي إلى تلك السرية والحساسية التي تدمغ بها هذه الرسائل، وليس هناك في الدولة ما يوحي بالتكتم إلا بعض الجوانب الأمنية والعسكرية التي لها وضعها الخاص في كل التعاملات، لكن لماذا نضفي محدودية التداول في تعاملاتنا، ونصبغها بالسرية إلى درجة أن معظم المراسلات تدمغ بذلك، وهل ثمة ما يستدعي إلى ذلك.

إن تأثيرات هذه الأختام، وما تشير إليه بالطبع، انعكست على مسار العمل في كل مؤسساتنا، وفي كل شيء حتى القرارات العادية أصبحت توصف بالسرية، بل إن العمل في مجمله في جهاتنا يمضي في الخفاء، ونسبة كبيرة منه يكون معلوما من فئة محدودة من الموظفين، في حين أن الشرائح الكبرى منهم كما يقال كالأطرش في الزفة لا تعلم ما يجري في هذه الوزارة أو تلك الجهة لدرجة يرون أنهم مهمّشون في هذه المؤسسة أو أنهم ليس لهم دور رئيسي، في حين أن آخرين مفضّلون لأن عندهم مفاتيح العمل ويحملون الأختام على اختلافها ويترجمون ما فيها في الواقع العملي وهكذا دواليك تمضي الأمور.

إن هذه الأساليب والسلوكيات بالطبع انعكست على الواقع العملي في هذه الجهات، فأصبح المراجع لا يفهم ما يجري في هذه الجهات وكل شيء يمضي فيها بالسرية، والتعاملات تذهب وتجيء بشكل سلس ومعاملاته هو محلك سر، لا تتحرك، لأن تلك المعاملات أو بعضها مختوم بختم عاجل جدا، وسري وغيرها من الأختام التي تخص البعض.

إن ثقافة الأختام بالطبع أوجدت شرائح واسعة من الموظفين يؤمنون إيمانا قاطعا بهذه الأساليب إلى أن أضحت تشكل أسلوب عمل لديهم وتتخذ السرية منهجا لهم وتتعامل بأشكال ممقوتة في الإدارة وما يصاحبها من تعاملات تخفي الكثير من السلوك غير الإيجابي في العمل.

بالطبع التعميم في هذا الجانب ليس دقيقا، إنما الثقافة الغالبة هي ما أصبغته الأختام علينا من سلوكيات تنم عن الخصوصية تارة والسرية تارة أخرى، والاستعجال لغايات معروفة مرات أخرى.

نأمل أن تتغير مثل هذه الأساليب والسلوكيات في تعاملاتنا وأعمالنا، ونظهر الشفافية والإفصاح في العمل وعدم تكوين الشللية التي تمتلك الخصوصيات وتكون كالحاجب للمسؤولين عن الانفتاح أمام الآخرين.