ماجد كيالي -
كتب الشاعر الفلسطيني خالد جمعة عما يحدث في مدينة غزة، قائلا: «المدينة تعرفُ أبناءها، ليس فقط بأسمائهم.. بل تحفظهم إصبعاً إصبعاً، وشعرةً شعرةً، وحلماً حلماً، وبسمةً بسمةً، ودقيقةً دقيقةً، وصوتاً صوتاً، وحزناً حزناً، وفرحاً فرحاً، وموتاً موتاً.» كانت تلك الكلمات معجونة بالألم ومغمسة بسيل الدماء وصادرة عن ارواح الذين صعدوا فجأة إلى السماء، فهذه ليست مجرد حرب، ومن الظلم تسميتها كذلك بالنسبة للفلسطينيين، إذ ليس فيها اي تكافؤ بين الطرفين، بين المعتدي والمعتدى عليه، بين الجلاد والضحية.
ثمة هنا طرف واحد يمتلك قرار الحرب وأدواتها، بمعنى الكلمة، من دون أي تناسب في وضعية الطرفين، مع حوالي 1400 شهيد من الفلسطينيين، ومصرع 61 من الإسرائيليين (المقاومة تتحدث عن 110)، كلهم من العسكريين، صدف أن المدني الوحيد بينهم هو عربي من بدو النقب. طبعاً هذا عدا ثمانية آلاف جريح فلسطيني، تؤدي اصابة كثر منهم إلى اعاقات كاملة أو جزئية، فتغدو بمثابة مصيبة مقيمة في حياتهم، ناهيك عن نزوح اكثر من اربعمائة الف من بيوتهم إلى مناطق اخرى، وهو أمر لم يختبره المجتمع الإسرائيلي، بحكم منظومة الأمان والملاجئ التي يتمتّع بها.
رغم ذلك كله، ثمة ما يدعو حقاً للافتخار بهذا الاحتفاء بصمود المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، أمام هجمة قوات النخبة العسكرية الإسرائيلية، وكل هذا الحماس للبطولات التي سجّلتها في مواجهتها الشجاعة لها، مع ما يعنيه هذا وذاك من رفض للتسليم بواقع وجود إسرائيل وغطرستها في هذه المنطقة، مايخالف الانطباع الرائج بعكس ذلك.
بيد أنه، ومع التقدير لكل التضحيات والبطولات، التي لم يقصر يوما الشعب الفلسطيني في بذلها، ربما يجدر الانتباه، أيضاً، إلى أن غزة ليست معرضاً للبطولات، فقط، ففيها ايضا أطفال وشيوخ ونساء وحتى رجال يحزنون ويعانون ويدمعون ويدمون، وأنها ليست معرضا للتضحيات، فحسب، ففيها أيضاً شهداء يذهبون بصمت جراء القصف، من البر والجو والبحر، من الطائرات والبوارج الحربية والدبابات. وباختصار فإن الفلسطينيين في غزة ليسوا مقاومين فقط فهم أيضاً بشر عاديون. وغزة ليست دولة كبيرة ولا قوة اقتصادية أو عسكرية، إذ هي تتموضع في شريط طولي عرضه ضيق جدا، من 5 15كم، وطوله 40 كم، وهي تفتقد للموارد الطبيعية، والأنكى ان الفلسطينيين فيها خضعوا لحصار مشدد منذ سبعة أعوام. القصد أنه لا يمكن التطلّب من غزة أكثر من الصمود والمقاومة، لا من ناسها العاديين، ولا من مقاوميها الشجعان، فقد فعلوا، ويفعلون ماعليهم، وكبدوا إسرائيل خسائر فادحة، ما استطاعوا إلى ذلك، بحيث اشعروها أن لقوتها وغطرستها وعربدتها حدودا، وأن ثمة ثمنا لكل ذلك، بعد ان اتكأت زمنا طويلا على محاولة خلق مريح وبرح لاحتلالها.
ما ينبغي إدراكه، أيضاً، أن اهل غزة بشر من لحم ودم ومشاعر، لديهم اطفال وآلام وأحلام، وأن المقاومة فعلت وتفعل ماعليها، لكنها لاتملك ترسانة تسلح، ولا بوارج حربية، ولاسلاح طيران، ولاصواريخ ولا مدفعية، وأن الرغبات والأمنيات شيء والواقع والإمكانيات شيء آخر، لذا لا ينبغي تحميل المقاومة، أو تحميل غزة، فوق ما تحتملان.
وها هي غزة اليوم، تحكي قصة الفلسطينيين ذاتها، قصة المأساة والبطولة، الغياب والحضور، اليأس والتحدي، الموت والحياة، ويبدو أن هذه الحكاية ستبقى إلى حين أفول إسرائيل بوصفها آخر ظاهرة استعمارية في العصر الحديث، والتي باتت تمثل حالة رجعية، تضاف إلى هكذا حالات، في الشرق الاوسط، بوصفها ظاهرة استعمارية وعنصرية وطائفية ودينية، رغم كل الغلافات «الحداثية» التي تتغطّى بها.
هكذا، ثمة في غزة حكاية لكل شهيد أو جريح، لكل عائلة، وكل امرأة وطفل، وهذه هي حكايات الناس العاديين، او الأبطال العاديين، الذين يصنعون الصمود، بصمتهم وصخبهم، ببكائهم وحزنهم، بألمهم وأملهم، بعيشهم في حيز الاسطورة، تحت القصف من البر والجو والبحر. مثلا، هذه رسالة بعث بها احدهم إلى اهله ومعارفه يقول فيها: « أنا مختبئ وعائلتي في مكان ليس بعيد عن نيران المدفعية..تم قصف منزل بمحاذاة منزلي الآن..القصف عشوائي ومتواصل من كل مكان..الطائرات، المدفعية، القناصة في كل مكان..الوضع مرعب جداً جداً جداً…نرجوا دعواتكم فقط…وأرجو أن لا تكون هذه آخر مكالمة لي». (من صفحة الصديقة لمى الحوراني). وقد حاولت ميسون الشهابي (فلسطينية من مخيم اليرموك) أن تصف مشهدا مؤلماً، تناقلته الفضائيات، لأمرأة تركض تحت القصف، فكتبت: «في شارع دمّر في حي الشجاعية تركض صارخة ابني مات! ابني مات! وحدها تروح وتجيء وولدها الثاني ملقى على رصيف..ابني مات! تصرخ في وجوهنا جميعا، غير مكترثة للحياة..آااااهات وبكاء ولعنات! سكان غزة في مرمى نيران الغزاة! يارب هذا الكون القبيح أوقف نحيب الأمهات». وهذه لانا مطر، في حوار لها مع الشاعر خالد جمعة، كتبت: «رغم أننا نموت في اليوم ألف مرة…عندي طفلين 3 سنوات…و 6 شهور…منذ بدء الحرب ننام في الممر على الأرض، وأحاول أن أصدق نفسي بأنه الممر اﻵمن…كل ليلة أجلس فوق رأس أطفالي وهم نائمون أتأمل ملامحهم ثم انفجر بكاء ونحيباً..لا نحن لسنا بخير كلهم تخلوا عنا.»
وهذه شهادة أخرى عن الناس العاديين، كتبها لأصدقائه البروفيسور الطبيب النرويجي مادس غيليبرت، الذي أصر على البقاء لمعالجة الجرحى في مشفى الشفاء في غزة رغم ما في ذلك من خطر على حياته، وجاء فيها: «الاجتياح البري لغزة نتجت عنه أعداد كثيرة من الجرحى الفلسطينيين من كل الأعمار، كلهّم مدنيون، كلهم أبرياء، جاؤوا مشوهين، ممزقين، نازفين، مرتجفين، ومحتضرين. هؤلاء البشر يُعامَلون اليوم، مرة أخرى، كغير آدميين، من قبل «أكثر جيوش العالم أخلاقية» (!) احترامي لهؤلاء الجرحى، في صمودهم الصامت وسط الألم والعذاب والصدمة، بلا حدود..قربي من الصمود الفلسطيني منحني القوة، رغم أني أحيانًا لا أريد سوى أن أصرخ، أن أحتضن أحدًا بقوة، أن أبكي، أن أشم وجه طفل دافئ مغطى بالدم وشعره، أن أحميه في عناق طويل..وأنا أكتب لكم هذه الكلمات، وحيدًا في سريري، تنهمر دموعي. إنها دموع حارة وبلا فائدة، دموع الحزن والألم، دموع الغضب والخوف. لا يعقل أن كل هذا يحدث فعلًا!..أرجوكم، افعلوا ما بوسعكم. ما يحدث لا يمكن أن يستمر.»
طائرات طائرات طائرات في سماء حلب وغزة والعراق…
طائرات طائرات..
«طفلة تحبو على حقل شظايا نازلة
تتمشى جسمها وتنادي أمها، وتطير وتطير في غبار القافلة..»
«بدكو التفاصيل؟ الشهداء الأطفال العشرة، أربعة كانوا على المرجيحة، وستة بيستنوا دورهم يتمرجحوا.» بهذه الكلمات لخص الشاعر خالد جمعة ماجرى يوم 28 يوليو في ساحة مخيم الشاطئ على شاطئ بحر غزة.


