القاضي الدكتور مصطفى السيد علي بلاسي –
على غير المتوقع أو المأمول وكأنها أمور دبرت بليل ، ونظرا لتداخل المفاهيم وقلب الحقائق بما يلبس الحق بالباطل، وضبابية الرؤى في ظل العولمة وانكماش البعدين المكاني والزماني حيث تتسارع وتيرة الأحداث، بما يعيق متابعة كافة المستجدات، فإن الملاحظ هو التعاطي مع سلبيات العولمة بصورة تفوق الاستفادة من إيجابياتها.
إن استحواذ الاهتمامات وتركيزها لدى شريحة كبيرة من المجتمع على صغائر الأمور وتوافهها واستسهال تناقل مواضيع بعيدة كل البعد عن الجدية والقيم الراقية بل والشائعات عديمة الأساس والانغماس في تعظيمها وتضخيمها حتى تضحى ككرة الثلج المتدحرجة، وبما يشكل ردة فكرية إذ أصبح الصحيح لدى هؤلاء باطلا والعكس، وعزز ذلك الرسائل المباشرة وغير المباشرة التى يصدرها الإعلام غير النظيف، وتناقل المعلومات غثها ومغلوطها ومكذوبها… عبر ما يسمى بوسائل التواصل التى اخترقت كافة الشرائح.
كل ذلك على الرغم من أن الأصل أن يتم وضع الأمور في نصابها، وإنزال الأحكام الشخصية السليمة عليها بناء على علم ويقين ودراية بالظروف والملابسات المحيطة بتلك الأمور دون اختزالها اختزالا مبتسرا يخل بالمضمون بل ويخرجها عن سياقها فيصبح ككلمات الحق التي يراد بها باطل. كما أنه من الضروري تسمية الأمور بمسياتها الصحيحة دونما انحراف نحو ترجيح مقولة، بيان، مستند، موقف أو تصرف على آخر أو تفسيره على هوى يفقده مضمونه وإن كان متوافقا مع أهواء الغوغاء محبي نشر الشائعات وفهم المواضيع على غير حقيقتها. ومن باب أولى فلا يجب تحميله أكثر مما يحتمل، بل المفروض إعمال الموازنات بشأن أي موضوع والنظر إليه بعينين وليس من وجهة نظر واحدة وفضلا عن هذا وذاك فعلى كل فرد أن يقوم بالدور المنوط به والذي يسره له الله ووفق اختصاصه إذ الثابت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن على بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ من القرآن: «فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى»» من سورة الليل.
إلا أن ما يحدث الآن في بعض الدول وخلافا للمنطق السوي فقد بات التخصص واحترامه مما لا يلتفت إليه، وشاءت الأقدار أن يظن غالبية الشعوب وخاصة البسطاء منهم وهم كثر- ظاهريا فقط – أن مقدرات الأمور تتمركز في أيدي كل من يظن مقدرته على توجيه دفة الأمور- اعتمادا على علو الصوت أو الوقاحة والابتذال – متناسين أنه مما يرويه قتيبة في عيون الأخبار «لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه علم فقد جهل» وما يؤكد ذلك الانفلات الفكري وتصدي العامة لأمور لا تخصهم في شتي المجالات هو علو الصوت الأجوف واستخدام الإعلام – غير الإيجابي – أو ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي وبكافة صورها كبوق يبث من خلاله ما يريده الفئة المستفيدة من أحداث بعينها، وتستخدم تلك الوسائل منفذي الأفعال السابقة كأدوات، سواء علم المنفذون بكونهم أدوات بمقابل أم جهلوا بذلك وأخذتهم الحمية الزائفة، متجاهلين القاعدة الشرعية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» مما أوجد انفلاتا في كثير من مناحي الحياة ذلك الانفلات الذي لا يؤثر على فئة بعينها بل يتعدى ذلك ليصيب المجتمع بأسرة اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا.
ولذا فإن بعض الأفكار لم تعد مقبولة – عند العقلاء على الأقل – كفكرة «التغيير من أجل التغيير» إذ لابد من سبب يدعو للتغيير وإلا كنا أمام هراء يستهدف الاستقرار والتقدم مما يثقل كاهل عامة الشعوب التي تطمح للعيش الكريم في ظل الأهداف الجلية والمحددة والتي تتطور يوما بعد يوم والتي تأبى الفوضى وهيمنة الأفكار الشاذة على حياتها ومقدراتها، وكذا ما يسمونه بتجديد الدماء… وبالتالي فتلك الشريحة العريضة لا تقبل بفكرة التغيير إلا حال تطلب الموقف للتغيير خاصة وأنهم يرفضون أن يكونوا حقل تجارب. وفي ظل الوعي والنضج الفكري لتك الفئات فلن يخيل عليهم ما يخفيه القلة – المستفيدة – من أهداف غير مباشرة تخدم مصالحهم الشخصية وهي أهداف لا تنطلي على العامة حتى في ظل التلميع الإعلامي الزائف. وما سلف ينسحب على التطاول على المسؤولين والتشهير بهم بغير علم بماهية المسؤولية في حد ذاتها، ظنا منهم – خلافا للحقيقة – أنهم في مأمن من العقاب، إذ المعلوم أنه من أمن العقاب أساء الأدب . وهو ما يستوجب بيان الفارق البين والواضح بين وجود القانون كتشريع واجب النفاذ من ناحية، وبين تفعيل ذلك القانون من عدمه، من ناحية ثانية، وكذا التفرقة بين ما سلف وبين القائمين على تنفيذ القانون، إذ القانون سواء كان مفعلا ومطبقا تطبيقا صحيا أم كان غير مطبق وحتى ولو كان مشوبا بعوار في التطبيق فإنه في كل الحالات السابقة قانون قائم عقب نشره وتحديدا من تاريخ النفاذ المنصوص عليه في قانون(مرسوم) إصداره، ومن هنا كانت قاعدة «عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون». تلك الأوضاع الشاذة سالفة البيان تحتم علينا التصدي لبيان الثقافة القانونية الوسطية السليمة في كيفية الوصول للهدف بالوسائل الضابطة لذلك الموضوع ضبطا تشريعيا لا اجتهاد فيه، حيث يمكن وصف تلك الطرق أو الوسائل القانونية بأنها جامعة مانعة، أي جامعة لكل مفردات موضوع كيفية ولوج درب استقضاء الحقوق ومانعة من دخول طريقة غريبة عليه، ، وهو ما استقر علية بإجراءات المطالبة بالحقوق. خاصة أن تلك الإجراءات متوافقة تماما مع المنطق السوي. ذلك أن التخصص يقتضي أولا تحديد الهدف وأيا كان نوعه، فلو كان متعلقا بأمر طبي كان المرجع فيه أحد الأطباء المختصين ، فإن كان ذا شق ديني فيرجع في أمره لفقيه أو عالم مختص وله صلاحية الفتوى الدينية، وهكذا وفي داخل كل مجال أو اختصاص فالمنطق يحتم اتباع الطرق المرسومة والإجراءات الواجب اتباعها إذ عن طريقها يكون الوصول للهدف مختصرا ومكللا بالنجاح حال توافر مقدمات طلب الحق المبنية عل أسس سديدة، وهو ما يهمنا بيانه بشأن مضوع ثقافة وأدبيات استقضاء الحقوق.
وفي هذا الصدد يجب التأكيد على أن الحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة، إذ كل حق يقابله واجب والعكس صحيح، وبالتالي فلا يعقل الاقتصار على المطالبة بالحقوق مع تناسي الواجبات، كما أن الرغبات والاحتياجات لا ترقى إلى مرتبة الحقوق، فالفرق بينهما واضح، وكذا فالثابت أن للحقوق حدود يجب عدم تجاوزها ، خاصة وأن حدود حق الفرد وحرياته تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين أو حقوقهم، وهو ما يتطلب التأكيد على أن تنظيم الحقوق والحريات أمر محمود يصب في مصلحة كل فرد على حده والتي في مجموعها تشكل مصالح فئات وشرائح عدة وصولا لتحقيق المصلحة العامة للمجتمع ككل.


