د. عبد العاطى محمد -
من المؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين الحياة السياسية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فى أي مجتمع من المجتمعات، فتلك بديهية لا يمكن إنكارها، حيث لا أمل في تغيير هذه الأوضاع إلى الأفضل بدون إيجاد النظام السياسي الرشيد الذي يقدر على مواجهة مشكلاتها ويصوغ المسار السياسى المناسب لها بما يحقق المطالب المتجددة ويوفر الاستقرار والتكامل القومي للبلاد. ولكن تجارب التاريخ منذ أن بدأت البشرية تتعرف على السياسة في عهد الإغريق إلى يومنا هذا تشير إلى أن معضلة التغيير تتركز في البحث عن هذا النظام السياسي الأفضل دون اتفاق عليه سواء من حيث الشكل أو المضمون. والقصد أنه لا جدوى للحديث عن الحياة السياسية بعيدا عن بيئتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولا يزعم أحد أن الجدل توقف أو سيتوقف بين من يرون أن الإصلاح أو الثورة لا يتحقق أي منهما إلا بتغيير النظام السياسي الحاكم. وبغض النظر عن هذا الجدل الذي يدخل في نطاق الجدل الأيديولوجي والسياسي، فإنه من الناحية الواقعية ووفقا لتجارب التاريخ تظل وجهة النظر الثانية هي التعبير الواقعي عن العلاقة بين السياسة والمجالات الحياتية الأخرى، حيث إن أي إصلاح أو ثورة يبدأ من القاع أي من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ثم يعكس نفسه في نظام سياسي، ويستمر التفاعل بين الجانبين بالتأثير المتبادل.
لقد طال هذا التوضيح لسبب محدد يتعلق بمسار الثورات التي نتحدث عنها، حيث ساد الانطباع منذ اللحظة الأولى لاندلاع ثورات الربيع العربى بأنها ثورات من أجل الحريات والحياة الديمقراطية أو بالأحرى قامت لأسباب سياسية، و ثم تم التركيز بشدة على هذا المضمون. وجرى الترويج للجوانب السياسية باعتبارها هي المخرج لأزمات بلدان هذه الثورات. صحيح أن الشعارات تضمنت جوانب اجتماعية كالعيش والكرامة والعدالة الاجتماعية، ولكن خطاب الثورات والأداء في الميادين كان سياسيا بامتياز، حيث ساد انطباع عام بأن تحقيق هذه الشعارات الاجتماعية لا يتأتى إلا بتغيير الأوضاع السياسية وإقامة نظم سياسية جديدة. كان هذا هو الحل السحري والسريع لكل هذه المشكلات المعقدة والمزمنة.
ولكن حدثت ثلاثة أشياء كلها كذبت هذا المدخل للتغيير، أولها أنه لم تتشكل قيادة سياسية لأي من هذه الثورات من داخلها، بل على العكس انتهى مصير هذه الثورات لنفس قيادات النظم القديمة إلى حد كبير!. في كل من هذه البلدان خرجت مئات ما أصبح يسمى بالائتلافات السياسية التي كانت بدعة جديدة تماما فى العمل السياسي من جانب من تصدروا المشهد السياسي. ومن المعروف أن الائتلاف السياسي في النظم الديمقراطية المستقرة شيء معروف وليس بدعة، حيث يشير تحديدا إلى تجمع قوتين سياسيتين أو أكثر إما للعمل على تشكيل حكومة ائتلافية أو لدخول الانتخابات البرلمانية. ولكن ما حدث غير ذلك، فالائتلافات التي تشكلت كان معظمها لغرض إسقاط أنظمة الحكم التي كانت قائمة وكفى (اختفت بعد فترة وجيزة) وما بقي منها كعمل سياسي منظم حاول تشكيل حكومات ائتلافية أو دخول البرلمان ولكنه فشل بوضوح ما عدا ائتلافات القوى الإسلامية التى بدورها تفككت أيضا.
وأما الأمر الثاني فقد ظهر في عجز القوى السياسية عن تقديم رؤية محددة وبآليات محددة لتحويل المطالب الاجتماعية إلى فلسفة ومنهج لنظام سياسي جديد. فقد تحجرت هذه القوى عندما تؤمن هي به كأيديولوجية سياسية، فكانت هناك رؤى عديدة متناقضة مع بعضها البعض ما بين اليسار بدرجاته بما فيه الشيوعيون واليمين المرتبط بالاقتصاد الحر والليبرالية السياسية واليمين الديني ممثلا في التيارات الإسلامية التي طرحت تصورا لدولة الخلافة من حيث أسلمة المجتمع والدولة. وكان من المنطقي أن تتوه الرؤى في ظل هذا التشتت الفكري. وفي أفضل الحالات وضعت القوى المتنافسة تصوراتها للمستقبل جانبا وركزت على التوافق لتحقيق قدر من الاستقرار يسمح بحوار مستقبلي وتركت تسيير الحاضر للتكنوقراط، أي أنها أجلت حسم القضية ليس إلا.
وأما الأمر الثالث فقد بقيت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية على حالها القديم، بل زادت سوءا مع تزايد سقف المطالب الاجتماعية، فارتفعت نسب البطالة وتدهور الإنتاج ومن ثم انخفضت معدلات التنمية إلى حد مخيف، كما ازداد عجز الموازنات العامة بسبب تزايد القروض وفوائد الديون (ارتفع الدين الداخلي والخارجي إلى حدود الخطر). وواجهت المجتمعات حالة من التفسخ القيمي انعكس فى تزايد الجريمة الجنائية وفي تدني الأخلاق العامة (التحرش وخلافه) وفقدت المجتمعات رصيدا من القيم التي كانت تحفظ الاستقرار الاجتماعي.
ما لم يتم إدراكه تحت وقع «الهوس» بالحلول السياسية أن تدني الأوضاع الاجتماعية كان السمة الغالبة للتطور العام فى هذه البلدان على مدى عدة عقود سبقت قيام الثورات. ومن يرجع إلى تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية المختصة وتقارير الحكومات ذاتها في الفترات السابقة كان يلحظ بوضوح التحذيرات من أوجه الخلل العديدة التي اتسمت بها برامج التنمية فى هذه البلدان، وكثيرا ما كانت هذه التقارير توجه النصائح للحكومات القائمة بتصويب مسارات التنمية وخصوصا من حيث عدالة توزيع الثروة ومحاربة الفساد الذي كان يستشري كالنار فى الهشيم. وكانت الحكومات تتعامل بطريقة تؤجل الانفجار الاجتماعي لا أن تلغى إمكان حدوثه في أي وقت. وقد كانت الحالة المتردية التي وصلت إليها الطبقة الوسطى المثال الصارخ المعبر عن عمق الأزمات الاجتماعية التي من المؤكد تقود إلى الانفجار. هذه الطبقة هى محور التنمية في كل المجتمعات تنهض بنهوضها وتتأخر بتآكلها. وفى ظل أخطاء برامج التنمية انهارت هذه الطبقة تحديدا، حيث النسبة الكبرى منها تراجعت لتنضم إلى طبقة الفقراء، وما تبقى منها عاش حالة إحباط ومعاناة. وهكذا حدث تراجع في القيم الإيجابية التي تحقق التقدم بالنظر إلى أن الطبقة الحاضنة والحامية لها قد انهارت. وعندما بحث من تصدروا المشهد عن هذه الطبقة لكي يشكلوا منها القاعدة الاجتماعية التي تبني النظام السياسي الجديد لم يجدوها. وجدوا شريحة صغيرة منها ممن يشكلون جزءا من النخبة، بينما الحجم الأكبر منها كان قد انضم إلى طبقة الفقراء. هذه القاعدة الاجتماعية بحجمها الضخم لعبت دورا أساسيا في نجاح الثورات لأنها خرجت بكثافة احتجاجا على أوضاعها المتدهورة، واستجابت للشعارات التي رفعها الثوار من منطلق أنها ستكون الحل للخروج من أزمتها الممتدة منذ عقود. قطاع كبير ممن انتموا للتيارات الإسلامية وكانوا وقودا أجج الثورات عانوا أكثر من غيرهم من الضائقة الاجتماعية ونظروا للمسار الإسلامي على أنه الأفضل لتحقيق العدالة الاجتماعية لما يتضمنه من قيم في هذا الصدد. لم يكن يهم هذه القاعدة الاجتماعية الخطاب السياسي الذي كان يتحدث به الثوار بقدر ما كان يهمها جني المكاسب وفي أسرع وقت. ولذلك لم يمض وقت طويل على سقوط الأنظمة حتى تحولت هذه القاعدة العريضة من الناس إلى تحد للثوار أنفسهم قبل الحكومات التى تولت إدارة المرحلة الانتقالية. لم يعد يهما الثورة في الميادين وإنما الوقفات الاحتجاجية الفئوية طلبا لزيادة الرواتب وتحسين أحوال المعيشة الآن وليس غدا. وهكذا ازدادت الأزمة الاجتماعية عمقا ولم يعد لا الثوار ولا الحكومات الانتقالية يملكون خطابا مقنعا لهذه الجماهير التي صدقتهم وعولت عليهم كثيرا من الأمل. انعزل الثوار عن القاعدة ولكن من انتموا للتيارات الإسلامية ظلوا على قناعاتهم متمسكين بأن الإسلام هو الحل لتحقيق العدالة الاجتماعية المفقودة. إلا أن هؤلاء اصطدموا سياسيا مع التيارات المدنية (العلمانية والليبرالية واليسارية) كما اصطدموا بالسلطات الانتقالية فلم يتمكنوا من قيادة الثورات. لقد آل الحال إلى مجتمعات منقسمة على نفسها تعاني من مشكلات اجتماعية مزمنة مستمرة، وفي وضع كهذا تصبح النظم السياسية الجديدة مهمومة بإطفاء الحرائق الاجتماعية أكثر من اهتمامها بتحسين وجهها السياسي.


