سالم بن حمدان الحسيني -
حينما تصل النفس البشرية إلى مرحلة من الأنانية وحب الذات تتزعزع فيها الكثير من المبادئ والقيم التي تميزها عن غيرها من المخلوقات وتتراجع معها المبادئ التي طالما حلم بها أصحاب المدينة الفاضلة فتتحول حينها تلك المدينة الحالمة إلى غابة يحتلكها السواد وتتصارع فيها الوحوش الضارية يكون البقاء فيها للأقوى والقوي فيها يستأسد على الضعيف.
لا مجال للمقارنة هنا بين البيئة البشرية التي فطرت على الحب والسلم والسلام، وبين حياة الغاب إلا أن ثمة تشابها يظهر جليا من فئة غلبت عليها الأنانية سببها ربما الوازع الديني والأخلاقي الذي يمتاز به البشر الأسوياء دون سواهم.. فالتاجر الصادق مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، والتاجر المحتكر الذي لا يقيم لمثل هذه المبادئ وزناً ولا يعيرها اهتماما حيث ران على قلبه حب المال وأنساه فضل مولاه فقال في قرارة نفسه، كما قال قارون من قبل: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) ونسي بل تناسى أن ثروته مجرد أمانة عنده وهو مستخلف في هذا المال فقط، وإنما المالك الحقيقي لهذا المال هو الحق سبحانه وتعالى، حيث أشارت الآية الكريمة إلى ذلك: (آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).. فهو في محك الاختبار الحقيقي بين ضعف الضمير وقوة الوازع الإيماني الذي يحرك فيه القيام بواجباته نحو غيره من البشر الذين يشاركونه العيش على هذه الحياة والذين لولاهم لأصبحت الحياة كئيبة مكفهرة لا طعم للحياة فيها ولا رائحة، بل أن حلاوتها في تقاسم اللقمة مع أولئك الذين يشاركونه العيش على هذا الكوكب من بني جنسه حسب التدرج الذي أشار إليه نبينا الكريم حينما جاءه رجل فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك، ثم الأقرب فالأقرب).. أريتم كيف تتوسع الدائرة ويكبر محيطها بداية من النواة وهي الأم ثم الأب ليعم الخير الأقرب فالأقرب حتى يصل إلى سائر بني جنسه الذين يشاركونه العيش على هذا الكوكب.
أين هذه المبادئ العظيمة التي جاء بها الإسلام الحنيف، وكيف تتمثل فينا نحن المسلمين الذين عهد إلينا الحق سبحانه تبليغ الرسالة السامية إلى الناس جميعاً ونجد من بيننا المحتكر سواء كان تاجر فرد أو مؤسسة أو شركة والتي من البديهي يكون على رأسها صاحب العمل وهو يحمل على عاتقه هذه الرسالة السامية التي تعبده الخالق سبحانه بتبليغها إلى البشرية جمعاء لابد أن يتمثلها أولاً سلوكاً عملياً قبل أن يكون منهجاً نظرياً.
إن عالمية الرسالة التي جاء بها نبينا الكريم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) لابد أن تستمر ولابد أن تصل إلى العالم أجمع ولا يكون ذلك إلا من أبناء وأحفاد أولئك الأجداد الذين حملوا هذه الرسالة وتمثلوها قولا وعملا وتطبيقا حتى دانت لهم الأرض ودخل أصحابها إلى هذا الدين أفواجا.. فالخشية كل الخشية من أن نضل السبيل ولا نقتفي طريق الحق فنتسبب في خروج الناس من هذه الملة الحنيفية أفواجا.. والسبب في ذلك زيغ اتباع هذه الرسالة السامية أنفسهم عن الحق وتفشي ظاهرة الاحتكار والأنانية في مجتمعاتهم مقارنة بغيرها من المجتمعات والتي من الواجب أن نوصل رسالتنا اليهم..


